الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
95
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
روى الصعديون مرفوعا إلى إبراهيم بن عبد الملك الخنفري « 1 » قال : قرأت كتب كعب الأحبار ، وكان كعب رجلا من حمير ، من ذي رعين ، وكان قد قرأ التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، وأوسع في العلم . قال : خلق اللّه آدم صلّى اللّه عليه وسلم ، وخلق منه زوجه حواء لما سبق في علمه . يقول جل ثناؤه وله الحق : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً « 2 » ، قال كعب واللّه ما لبثا في الجنّة يوما حتى أخرجا لخطيئتهما ، وهو قوله جل ثناؤه : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) « 3 » ، فلمّا وقعت الخطيئة أهبط اللّه أبانا آدم على جبل بأرض الهند ، يقال له : واشم ، وأمّنا حواء بعرفة « 4 » ، وعدونا إبليس بجدّة ، والحيّة بأصبهان ، فلم يزل آدم عليه السّلام يبكي على خطيئته ، حتى تاب اللّه عليه ، وهو قوله عزّ وجلّ : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) « 5 » فلما تاب اللّه على آدم أمره بالحج إلى بيته الحرام ، فحجّ آدم ، فكان حيث ما وضع قدمه يتفجر منه الأنهار ، وتبنى المدائن والقرى ، حتى وصل إلى مكة ، ثم أمر اللّه الملائكة يصفّوا على أنصاب الحرام ، فكانوا عليها صفوفا يحفظونه من الجنّ والشياطين ، وآنسه اللّه بخيمة حمراء من خيام الجنّة ، وبالركن فلم تزل تلك الخيمة مضروبة لآدم حتى قبض ورفعت الخيمة ، وبنى ابنه شيث الكعبة على حذائها . قال : فلمّا حجّ آدم وأتم الحج وقضى المناسك تلقته الملائكة فقال : برّ حجك يا آدم ، فقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام « 6 » . قال : ولما تسلّى آدم وتاب عليه أحبّ النسل ، فحملت له حواء وولدت له ابنا وبنتا فسماه : قابيل ، واسمه في التوراة : قائن ، ثم لبث بعد ذلك آدم حتى حملت له حواء هابيل وتوأمته ، فلمّا شبّا وبلغا تناظرا إلى أبيهما في أمر توأمتيهما . فأمرهما أن يقربا قربانا يرضيان فيه بحكم اللّه ، فقبل قربان هابيل ، فوجد قابيل في نفسه من ذلك أمرا عظيما ، فكان كما قال اللّه عز وجل : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) « 7 » ، فلما قتل أخاه استفزّ أخته ، فهربا من جوار أبيهما وأمّهما ، ولما قتل أخاه عانده آدم عليه السّلام ولم يزل آدم يتضرّع إلى ربّه حتى وهب له شيئا عند آخر عمره ، وقد مضى على آدم تسعمائة عام ، فلما ولد له شيث فرح ، وكانت إليه وصيته .
--> ( 1 ) راجع الإكليل ج 2 - 129 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 1 . ( 3 ) سورة طه ، الآية : 115 . ( 4 ) عرفة : أشهر من أن تعرف ، وهو السهل الممتد الذي يقف فيه الحجيج خاشعين للّه ضارعين إليه بين تهليل وتسبيح وذكر ، في زي ودوي كيوم الحشر ودوي النحل في القفار . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 37 . ( 6 ) هذا مثل ما ما تقدم ص 111 . ( 7 ) سورة المائدة ، الآية : 30 .