الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

96

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

[ ذكر أول من ابتدع الملاهي وأظهر الفسق ] ولما حضرت وفاة آدم ، قال لابنه شيث : يا بنيّ اتق اللّه ولا تشرك به شيئا ، وجانب قائنا وولده ، وأوص بذلك من كان بعدك من ولدك ، فلم يزل شيث على سنة آدم حتى أنزل اللّه عليه من السماء كتابا في خمسين صحيفة ، وهو أول من أنزل عليه كتاب ، فلمّا حضرت شيث الوفاة أوصى ابنه أنوش ، وأنوش ، يومئذ قد اكتهل ، فأوصاه بمثل ما أوصاه به أبوه آدم ، فلم يزل أنوش على مثل « 1 » شريعتهما حتى قبض ، فلما قبض أنوش ، قبض وقد أوصى إلى قينان ، وأوصى قينان إلى مهلاييل ، فقام بالشريعة التي قاموا بها ، وأوصى بمثل ذلك إلى يارذ ، وكان في زمان يارذ توتيل الفاسق من نسل قائن بن آدم وكان توتيل أول من ابتدع الملاهي ، وأظهر الفسوق ، فاغترّ من ولد شيث خلقا عظيما حتى عصوا وانتهكوا المحارم ، وتركوا سنّة آبائهم ، وفتنوا بالنساء . وكان يارذ لا يألوا ينصح لهم وينهاهم عما كانوا عليه من الضلال ، ثم أوصى بعده إلى إدريس ، واسمه في التوراة : أخنوخ ، وشالت . وكان أول نبي بعثه اللّه وعلمّه الحساب والكتابة ، فلم يطعه أحد من ولد شيث ، واختلطوا بنسل قائن ، فرفع اللّه إليه إدريس ، كما قال جل ثناؤه : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) « 2 » ، واستخلف إدريس بعده متوشلخ يحذر الناس العذاب ، ثم أوصى من بعده إلى ابنه لمك ، واسمه في التوراة : لامك ، فكان لمك يعظهم ويخبرهم أنّ العذاب سينزل بهم ، فكانوا يؤذونه فبعث اللّه إليهم نوحا صلّى اللّه عليه وسلم . وكان شالت يحسب بالنجوم ، فرأي في حسابه أن الأرض ستغرق ومن عليها ، وذلك قول اللّه تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) « 3 » ، فدعا شالت متوشلخ « 4 » ، ولمكا ، ونوحا ، فقال : أي بني ! قد علمت أن اللّه يعذب هذه الأمة التي ليس فيها رحمة ، وأنتم بقية هذا الجيل ، يعني جيل القدس ، فليكن منكم رجل إماما لقومه ، ولكن اعملوا بالصبر واليقين والإخلاص . فلما قضى وصيته ذهب اللّه به إلى المكان الذي ليس تجيه فيه للموتى سلطان ، ولم يبق من بني شالت في الجيل القدس إلا هؤلاء الثلاثة : متوشلخ ، ولمك ، ونوح ، وأهلوهم ، وأمرهم أن يهبطوا إلى الأرض التي فيها بنو قائن الملعون ، فلما رأى نوح الذي وقع فيه قومه أمسك نفسه من النكاح ، فلم ينكح خمسمائة سنة ، ثم أوحى اللّه إليه أن أنكح ، فنكح هيكلا ابنة ناموشا ، وكان أخنوخ عالما بالطوفان ، وكان يكتب هذا العلم في صفائح الحديد والحجارة ويلقيها في الماء ويدفنها . وكانت الفتنة « 5 » تزداد في الدنيا حتى كان أيام نوح ، فأخبر اللّه نوحا خبر الطوفان أنه يكون

--> ( 1 ) في م بإسقاط « مثل » . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 27 . ( 3 ) سورة الروم ، الآية : 7 . ( 4 ) كذا في الأصلين . ( 5 ) في م « الغش » بدل الفتنة .