الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
94
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
[ ذكر ما جاء عن كعب الأحبار ] ألم يخز التفرق جند كسرى « 1 » * ونحّوا عن مدائنهم فطاروا وشقّ البحر عن أصحاب موسى « 2 » * وغرّقت الفراعنة الكبار وكم من مدّة سبقت لقوم * زمانا ثم عالقها انبتار فهل من جدّة إلّا ستبلى * ويقصر طولها عنك القصار وأنذركم مصارع قوم نوح * وكانت أمّه فيها انتشار وكان يسبح الرحمن شكرا * وللّه المحامد والوقار فلما أن أراد اللّه أمرا * مضى والمشركون لهم جؤار ونادى صاحب التنّور نوحا * وصبّ عليهم منه البوار وضجوا عند جيئته إليهم * ولا ينجى من القدر الفرار وجاش الماء منهمرا إليهم * كأن عثا عرق يستشار وعامت وهي قاصدة تأدى * ولولا اللّه جار بها الجوار إلى الجودي حتى صار حجرا * وحان لسالك الغمر الخسار تقول العرب وبعض أهل الكتاب : إن صاحب التنّور كان يخبز فيها بموضعها من الكوفة « 3 » ، حتى سقط منه الشوبق « 4 » في جوف التنّور ، فنبع الماء من تحت النار ، والوجه ما ذكرنا في أول السيرة من هذا الكتاب ، ما رواه أهل صعدة عن كعب الأحبار « 5 » في خلق آدم ، ومن خلفه إلى نوح ، وخبر الطوفان .
--> ( 1 ) كسرى : لقب لكل من تملك بلاد فارس . ( 2 ) موسى : هو ابن عمران صاحب فرعون . وقد قص اللّه خبره في كتابه العزيز في غير ما آية . ( 3 ) الكوفة : مدينة بالعراق الغربي على ساحل الفرات ، أسسها سعد بن أبي وقاص بعد وقعة القادسية سنة 18 ه . وبها ابتدأت الدولة العباسية واتخذتها عاصمة لها وتقلص عمرانها بعد تأسيسها « بغداد » وكانت الكوفة والبصرة مركزا هاما للثقافة العربية ، زخرت بالعلماء والمحدثين والنحويين والفقهاء والشعراء وأنجبت أماثل وأفاضل لا يحصون ، كانوا ولا يزالون مفخرة العرب والإسلام ، وكانت مساحة الكوفة ستة عشر ميلا وثلثي ميل ، فيها ستة وسبعون ألف دار للعرب منها اثنا عشر ألف دار للقبائل اليمانية ، وهي الآن مدينة تزدهر بالعمران في العهد الثوري الجديد . ( 4 ) الشوبق : بالضم خشبة الخباز التي يصلح بها الرقاق والخبز قبل أن يدخله الطابون : التنور . ( 5 ) هو أبو إسحاق كعب بن ماتع الرعيني الحميري المشهور بكعب الأحبار كان عالم أهل الكتاب ، ومن كبار أحبارهم ، ولما أسلم كان من أعيان التابعين وجلتهم ومن أقدم رواة الحديث ، أسلم أيام عمر بعد ما تبين له الحق ونزل المدينة وكان من عمر كالصاحب والمستشار ، ثم نزل الشام ومات بحمص سنة 34 ه وله أخبار وروايات طافحة بها الموسوعات العلمية « الجندي » . ويظهر من رواية إبراهيم بن عبد الملك الخنفري أن لكعب مؤلفات في التاريخ وغيره .