الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

60

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

جذمى « 1 » موقفا سمعي على أنباء العصور ، متتبعا للمعروف من الأخبار وأيام الناس « 2 » منقّرا عن غامضتها متبينا في ملتبسها ، متنكبا لمجهولها حتى وفقت منها على العين الجليّة ، وسلكت منها الجادّة السويّة ، فوجدت أكثر الناس يخبط فيه خبط عشواء ويعمه « 3 » في حندس طخياء « 4 » وإذا الخبر الواحد ترويه الجماعة في وجوه مختلفة من زيادة ونقصان ، وتقديم وتأخير ، إذ كان علم الأخبار علما طلقا غير مقصور بنظام ، ولا محصور بقياس ، كما لم أزل كلفا بالبحث عن الأنساب . والفحص على صحيحها ، والوقوف عن سقيمها ، والتصفح لما أتى به النّساب ، فأخذنا نسب كل قبيلة متقنا لأنساب من قاربه وعاشره وساكنه وخالطه ، راجما فيمن نآى عنه بالغيب ، نجمع من سيرهم الحقير ، ومن أنسابهم اليسير ، ومن علمهم وحكمهم النزر من الكثير ، ويزل عنه منها الجمّ الغفير ، ورأيت أنساب تلك النواحي لا سيما الكلبيين « 5 » استقصوا في أنساب ولد مالك بن حمير ، لما كان منهم وعنهم بمرأى ومسمع « 6 » ، وأتوا من نسب أخيه الهميسع بن حمير بمثل أثر في عفر « 7 » لا دارس فيعفو ، ولا بيّن فيبدو ، لما قلّت رحلتهم إلى من قطن منهم باليمن ، ولم يلقوا بنهوجهم « 8 » من ذوي معرفتهم ، غير

--> ( 1 ) الجذم بالكسر والفتح : الأصل . ( 2 ) في م : أخبار الناس وأيامهم . ( 3 ) العمة : التحير أو التردد في الضلال . ومنه قوله تعالى : * وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 75 ) [ المؤمنون : 75 ] . ( 4 ) الحندس - بكسر الحاء - الليل المظلم أو الظلمة . والطخياء : شدة الظلمة ، والعشواء : الناقة التي في بصرها عشا ، أي ضعف . ( 5 ) الكلبيون : هم أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي ، وأبوه أبو النضر محمد بن السائب ، وهما من أعلم الناس بالأنساب ، والناس عالة عليهما ، وتأتي ترجمتها في ( ص 92 - 93 ) والشرقي القطامي ، ويكنى أبا المثنى واسمه الوليد بن الحصين بن حمال أحد النسابين الرواة للأخبار والأنساب والدواوين « فهرست ابن النديم ص 128 » وكان وافر الأدب أقدمه المنصور إلى بغداد وضم إليه المهدي ليأخذ عنه « اللباب ج 2 ص 17 » والنجار بن أوس بن الحارث بن سعد هذيم من قضاعة . قال أبو عبيد : هو أنسب العرب . ( 6 ) قوله : لما كان منهم وعنهم : أي أن الكلبيين من ولد مالك بن حمير ، وعن قرب من أوطانهم السماوة والشام . ( 7 ) العفر : بالفاء محركة ، ظاهر التراب ، وقد يسكن . ( 8 ) النهوج : جمع نهج . والنهج في معاجم اللغة : الطريق الواضح ، وعندنا معاشر اليمنيين يطلق على هذا ، وعلى الناحية والجهة المتفتحة الأرجاء ، ذات المناظر البهجة ، والهواء الطلق ، والمتنفس الواسع ، يقال : في هذا المكان نهج أي منظر رائق ومباهج طبيعية جميلة ، وهذا الذي أراد المؤلف ، وكثيرا ما يستعمل لغة قومه ، لأنه يرى أن وطنه مهد اللغة الأصلية .