الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

38

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

البادية وسكن صنعاء كانت مزيجا بين الحضارة والبداوة ، فتدرجت شيئا فشيئا بحسب الظروف ، إلى أن نجم أبو محمد وذر شارقه ، فخلصت إليه المدنية برمتها ، وكان هو الحد الفاصل بين الحياتين ، وإن كانت مخلفات الوراثة تربطه برباط وثيق وتجعله يمت إلى صلة الماضي بأوثق العرى ، وكان من نتائج ذلك أو من رحلاته ، أو منهما جميعا ، أن فضّل بلدة « ريدة » مسكنا ودار إقامة كما سيأتي . وطبيعي أن أهل البادية إذا أحبوا سكنى المدن ، فلا ينزلون إلا في الأطراف التي تشبه البادية وأهلها ، ولا يتوغلون في بحبوحة المدن ، إلا بعد أيام طويلة ودهر بعيد ، ليكتسبوا مقومات المدينة ، كما هو مشاهد ملحوظ ، وحينئذ فبيئة أبي محمد كالوراثة كما يقال . أما نشأته ، فقد نشأ متمسكا بأهداب الفضيلة ولوعا بالعلم والأدب ، طموحا إلى المجد ومعالي الأمور ، وكان يتمتع بحافظة قوية وذاكرة شديدة ، تسنى له أن يفوق أقرانه ويبذ أهل زمانه ، مع عفة ونزاهة وفضل وحصانة أخلاق ، محاطا بهالة من الجلال والتكريم حتى من الأمراء والكبراء والملوك ، يهابونه ويخطبون وده . وكانت اليمن في هذه الحقبة مسرحا للفتن والتطاحن والانقسامات ، الأمر الذي أتاح للدخلاء الفرصة لغزوها عن يمين وشمال وطعنوها طعنة نجلاء لا زالت آثارها باقية إلى هذه الغاية ورازحة تحت مؤثراتها . وأسبابها كثيرة نقتصر منها على ما يأتي ، إذ موضوعها فن التاريخ ، فمنها ضعف الخلافة العباسية التي أصبحت كالرجل المريض المحتضر ينتظر من حوله أن يلفظ نفسه الأخير لتقسم تركته ، فعجزت عن ضبط الأطراف التي منها اليمين لانشغالها بداخليتها . وبما أن اليمن حصينة بجبالها كحصانة أهلها وبعدهم عن اعتناق الآراء المتضاربة والمذاهب المختلفة والأفكار الفلسفية ، فقد عاشت منذ ظهور الإسلام إلى عصر المؤلف ، البلد الوحيد المحافظ على دين الإسلام الصحيح والإسلام وحده ، فلا تمذهب ولا أفكار ولا عقائد غير القرآن والسنة النبوية . وفي هذه الفترة غزت اليمن المذاهب الفقهية والعقائد العلمية والآراء الفلسفية وغيرها من شتى الفرق والنحل ، وكان ذلك بواسطة الأمراء القادمين من العراق الذين تصحبهم القضاة والقواد والخدم والعلماء والأدباء والشعراء الذين يفدون إلى صنعاء حاملين بين طياتهم كل معالم تلك المدينة الخالدة بغداد عاصمة الدنيا ، من علوم وفنون وأفكار ومبادئ ومذاهب وعقائد ، وكل حسن وحديث وطيب وخبيث ، وكانت هذه العلوم الغريبة على اليمن أحد أسباب الفتن القائمة على التمذهب السياسي ، الذي كان كل واحد من دعاته يريد أن يفرضه على الناس ولو بشفار السيوف وحد البواتر ، كدعوة الزيدية والباطنية .