الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
39
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
وفي الوقت نفسه كانت العلوم والفنون الدخيلة على الإسلام والتي لم يعرفها العرب من ذي قبل ، كعلوم اليونان وفارس والسند هند كالمجسطي والطب والفلسفة وتقويم البلدان وغير ذلك ، قد اكتمل تعريبها وتدوينها وإدخال شيء عليها من التحسينات والأفكار الجديدة ، وكذلك ما استلزمته الظروف ودعت إليه الحاجة وأريد به جماعة القرآن والحديث النبوي ، كالنحو واللغة والتفسير والحديث وما اخترعه النبغاء كالأدب والشعر والتاريخ وسائر المعارف التي جليّ فيها العرب أو كانوا فيها مخترعين مبدعين ، وتسابق العلماء في ميادين التأليف والتدوين ويعتبر القرن الثالث الهجري مفتاح عهد جديد بلغ المجد العربي فيه قمته ودخل تاريخ العرب من أوسع أبوابه ، إذ اكتمل فيه نضج الفكر العربي أقصاه ونبغ فيه عدد لا يحصى من فطاحلة العلماء في شتى الفنون والعلوم وفي مختلف هواياتهم ونزعاتهم وميولهم ، فمنهم على سبيل المثال شاعر الخلود أبو الطيب المتنبي الجعفي وأبو بكر بن دريد الأزدي وجابر بن حيان الأزدي وأبو الفرج الأصفهاني وأبو يعقوب الكندي فيلسوف العرب والمبرد الأزدي وابن عبد ربه الأندلسي والمؤرخ المسعودي وابن جرير الطبري المؤرخ المفسر وثابت بن قرة وكانت بغداد مصدر الإشعاع العقلي وربة العرفان وكعبة آمال الأمة التي يتنافس في الانتساب إليها العظماء . في هذا الجو وفي هذه الظروف ، ولد أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني ونشأ وترعرع وبلغ أشده ، ونبه ذكره وصار عالما فيلسوفا وشاعرا ومؤرخا وأديبا وفارسا . مشايخه وتجوابه لم ينص أحد ممن ترجم للهمداني على مشايخه الذين أخذ عنهم علومه ومعارفه ، ولا على أستاذ من أساتذته الذين درس عليهم وجلس بين أيديهم ، لغموض حياة أبي محمد ، التي هي أشبه بتاريخنا الجاهلي المطمورة آثاره تحت التراب ، لا يكشفه إلا التنقيب والبحث وإلّا الأيدي العاملة بإخلاص . كما لا تكشف حياة أبي محمد إلا مؤلفاته ، أو من ترجم له من القدامى الذين عاصروه . ولم يشر المؤلف نفسه في كتبه التي عثرنا عليها إلى أحد من مشيخته ، إلا ما كان عن طريق التحديث والرواية ، وهذا إن صح ، فيجوز لنا أن نقول إنهم مشايخه جازمين بذلك غير مترددين . وقبل مدّة طويلة وقبل أن أعثر على هذين الجزأين الأول والثاني من الإكليل ، وقفت على شرح النشوانية للإمام نشوان بن سعيد المتوفى سنة 573 ه ، وبينما أنا في خاتمة مطالعته ، وعند الكلام على القيل ذي بهر ، وأن من نسله أبا نصر البهري ، ونقل عن الهمداني هذه العبارة : « قال الحسن بن أحمد الهمداني ، في كتابه الإكليل : جميع ما أخذناه عن أبي نصر البهري عالم حمير ونسابتها ووراث ما أدخرته من مكنون خزائنها » . فدار الزمن دورته ، وبعث اللّه هذين الجزأين على يديّ فضلا من اللّه ونعمة ، واكتشفت هذه العبارة بأوسع منها في ضمن الجزء الأول ص 9 ،