الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
350
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
ويريشون المكائد « 1 » ؛ فإذا انقطع ذلك السلطان ، ألقوا بأيديهم إلى السّلم ومتّو القديم « 2 » ، ونظروا إلى من حولهم نظر المغشي عليه من الموت ؛ فإذا ذهب الخوف سلقوهم بألسنة حداد ، وقلّبوا لهم الأمور « 3 » ، ولم يزالوا على هذا ولا يزالون . [ ذكر سبب إبطال شهادة أهل صنعاء بمكة ] وكان سبب إبطال شهادة أهل صنعاء بمكة إلى اليوم ، أن هشام بن يوسف القاضي ، كان بينه وبين بكر بن الشرود « 4 » محاسنة وكان بكر بن الشرود أحد قرّاء عبد الرزّاق « 5 » .
--> ( 1 ) يبرون : من برى القلم أو السهم إذا نحته ، وهو معروف الاستعمال ، ويريشون : من راش السهم إذا ألزق عليه الريش . وكل ذلك كناية على اجتهادهم في نصب المكائد ، والإيقاع بأعدائهم بأي وسيلة كانت . ( 2 ) متوا : أدلوا بالصلة القديمة ، وما يزعمون أن لهم نعمة على اليمنيين في نصرتهم ونجدتهم على الأحباش . ( 3 ) ما هنا مضمن للآية 19 من سورة الأحزاب . ( 4 ) بكر بن الشرود : لم أعثر على ترجمة فيما بين يدي من الكتب ، وإنما ذكره المؤلف في كتابه « صفة جزيرة العرب » في عداد مفاخر صنعاء الذين شهروا بالعلم والفقه وذلاقة اللسان ، ومما وصفه به المؤلف قوله « وكان مفوها مؤتي له الكلام البليغ » . ( 5 ) هو الإمام الحافظ الحجة المرحول إليه أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري المغيثي في ذي مغيث ، ثم من الثوحم ، الأوزاعي الصنعاني ، حافظ الدنيا ومحدث اليمن ومؤرخها ، أحد أئمة الأمصار المعدودين ، وأحد الثقات المشهورين ، إليه انتهت زعامة العلم وإمامة الحديث والفتيا ، تفقه بمعمر بن راشد وأخذ عن همام بن منبه أخي وهب بن منبه ، وعن عبد اللّه بن عيسى الجندي ، وسفيان الثوري وابن جريج ، وأدرك ابن طاوس وهو ابن عشر سنين . فيقال : إنه أخذ عنه . وإليه رحل إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين والشافعي . قال بعض الحفاظ : لم يرحل إلى أحد بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في طلب العلم ، كما رحل إلى عبد الرزاق ، وله تصانيف . منها : مسنده المعروف عند المحدثين بمصنف عبد الرزاق « ولم يعثر عليه في هذا العصر » . قلت : ثم اطلعت على فهرست المخطوات العربية الجزء الأول « لفؤاد سيد » رحمه اللّه « ص 105 » كتاب المصنف لعبد الرزاق الجزء الثالث والرابع والخامس في مكتبة مراد ملا باستنبول ، والجزء الأخير في مكتبة فيض اللّه باستنبول أيضا . أما تاريخه الكبير ، فهو لا يزال في طي الخفاء . ولد عبد الرزاق سنة 126 ه ، وتوفي بصنعاء سنة 210 ، أو 211 ه ، أو سنة 212 ه ودفن بحمر أعلب في الجنوب الشرقي من صنعاء بمسافة ساعة ، وقبره هنالك مشهور مزور ، وترجمته مطولة ، يقال : إنه لزم معمرا ثمانين سنة . قال أحمد بن حنبل : أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر ، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصره ؛ فهو ضعيف الإسناد . وكان أحمد يقول : إذا اختلف أصحاب معمر ؛ فالحديث لعبد الرزاق . وقال أبو خيثمة زهير بن حرب : لما خرجت أنا وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين نريد عبد الرزاق ؛ فلما وصلنا مكة ، كتب أهل الحديث إلى صنعاء إلى عبد الرزاق : قد أتاك حفاظ الحديث ؛ فانظر كيف يكون ؟ فلما قدمنا صنعاء ، أغلق الباب عبد الرزاق ولم يفتحه لأحد إلا لأحمد بن حنبل لديانته ، فدخل فحدثه بخمسة -