الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
25
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
تحقيق الأصل ووصفه لقد قلت فيما سبق ، أنه مخطوط بتلك الصفة التي شرحتها ، مما جعل قراءة الكتاب صعبة وعسيرة ، وفوق ذلك فإن الناسخ نحا في قاعدة الخط منحى غير معروف ، مما زاده تعقيدا وزهدا عن قراءته . ولقد مكثت طويلا أتفهم عباراته ، وأستنطق قواعده ، حتى تسنّى لي قراءته ، أمّا صحة الأصل وإتقانه ، فمما لا مجال للشك في ذلك ، وأنه لم ينسج على منواله صحة وإتقانا ، فلا غلط ولا طمس ولا كشط ولا ولا ، وقد رمت نقله بقلمي ، فعاقتني أشغال وأشغال ، ثم حاولت ممن له ذوق سليم وشدة فهم وإدراك ، فيتقبل ذلك راضيا لقاء أجر كبير ، ثم ما يلبث أن يرفض ذلك معتذرا بغموض ألفاظه وركاكة كلماته . فعرضت هذه المهمة على الولد النبيل الأديب القاضي يحيى بن محمد بن محمد الجنيد حياه اللّه ، فاستجاب طلبي ولبىّ رغبتي برحابة صدر وطيب نفس ، بل خدمة يسديها لأبناء وطنه ، وواجب يؤديه ، فعني بهذا الأمر وتحمل هذا العبء ولقي من العناء والمشقة ما اللّه كفيل عن مجازاته . وبعد أيام عرض علي كراريس من خطه كأنها سلاسل الذهب ، فكانت عندي فرحة تعادل فرحة الالتقاء بالجزأين المذكورين ، لأني شعرت أن الكتاب أصبح كتابا بالمعنى الذي تنطبق عليه الكلمة تماما ، ثم عرضه كاملا ولأول مرة فلم يرتضه لما فيه من كلمات تخلفت عن الفهم ، فشحذ همته وجدد نشاطه وأخرج نسخة هي بحق أجمل ما سجّله قلم أديب وخطاط قدير ، وكانت تحفة من التحف ثم قابلناها وصححناها حتى كملت محاسنها تحقيقا وإتقانا ، وغدت عروسا مجلوّة زينت بها المكتبة العربية ، وتوجت بالتعليق المرصع بجواهر الفرائد ، فشكرا لجهود هذا الشاب البارع الذي سجل له الخلود بهذه الخدمة الجلّي . أما وصف النسخة ، فهي كما وصفتها مع الدقة والإتقان ، وهي الوحيدة التي اعتمدتها واعتبرتها أصلا ، كما أنه لم يكن عندي رسامة أو آلة تصوير ، حتى أعطي القارئ صورة من نماذج صفحات الكتاب ، لتكون مقياسا لما عاناه الكاتب النبيل من الصعوبة ، إذ الرسم كما قال الدكتور الفيلسوف « غوستاف لوبون » في كتابه النادر المثال « حضارة العرب » ( ص 48 ) « أن صورة متقنة خير من مائة صحيفة في الوصف » . وليس من المبالغة أن يقال إنها خير من مائة مجلد . غير أني أصفه للقارئ بحسب الطاقة ، تقريبا للأذهان ، أن صفحات الكتاب تقدر بأصغر من راحة اليد طولا في مثلها عرضا وقد رسم عنوانه كما يأتي :