محمد راغب الطباخ الحلبي
618
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
فضل وتنبل وامتلأ وعاؤه علما ، فتصدر حينئذ للتدريس وعين مدرسا للحديث في الحجازية التي في الجامع الكبير ، ثم عين مدرسا للمدرسة الصاحبية تجاه خان الوزير . وتهافتت عليه الطلاب لتلقي الحديث والفقه الشافعي والنحو غير ذلك من العلوم . أما علم الحديث فقد كان بارعا فيه إليه المنتهى فيه بلا مدافع . وأما الفقه الشافعي فقد تفرد في الشهباء فيه وصار إليه المرجع . وأما النحو فقد كان فيه إماما . ومعظم العلماء والطلاب الموجودون الآن ومن توفي قبل سنوات تلامذته ، قل فيهم من لم يأخذ عنه . وكان يحضر درسه في الحجازية وأمام الحضرة في الجامع الأموي المئات من العوام ، وانتفعوا بدروسه ووعظه كما انتفع به الطلاب . ثم عين مدرسا لمدرسة الشيخ موسى الريحاوي في محلة باب قنسرين ، ولما كانت الأوقاف التي وقفها الشيخ موسى المذكور قد اندرست ، وبعبارة أخرى قد ضبطت وأصبحت ملكا للناس ، سعى شيخنا رحمه اللّه في جمع دراهم من أهل البر والمعروف فبنى بها دارا ومخزنين ملاصقات للمدرسة ، ووقف هذه العقارات على المدرسة بتاريخ 4 شعبان سنة 1326 فصار بذلك لها شيء من الريع . ولما عمر محمد أسعد باشا الجابري المدرسة الدليواتية في محلة الفرافرة عين شيخنا مدرسا للفقه الشافعي فيها ، وقد قدمنا ذكر ذلك في ترجمة الباشا المشار إليه . ولما فتحت المدرسة الخسروية عين مدرسا للنحو وصار يقرأ شرح ابن عقيل على الألفية مع مشارفة حاشية الخضري عليه . كان رحمه اللّه ذا همة عالية في التدريس ، مواظبا على ذلك حق المواظبة لا يعرف الكلل ولا الملل ، لا يقطع درسه إلا لمرض يعتريه . وكان رحمه اللّه قصير القامة بدينا مدوّر الوجه دري اللون ذا شيبة نيرة مهابا وقورا صالحا ورعا متعبدا ، قليل الاختلاط بالناس بعيدا عن محافلهم ومجتمعاتهم ، قل أن يحضرها ، لا يتطلب وظيفة ولا يتطلع لها ، عاش عيشة الكفاف ، وربما ضاقت به الحال فيتحمل ذلك ويصبر . ولم يكن فيه ما ينتقد به عليه سوى حدة في مزاجه ترى فيه بعض الأحيان سببها قلة معاشرته وانزواؤه عن الناس . وبالجملة فهو من خيار العلماء العاملين ،