محمد راغب الطباخ الحلبي

551

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

محاكمها من أكبر مأمور إلى أصغره إلا من رحم ربك ، وهذه الأمور منذرات بالخراب سائقات إلى مهاوي الهلكة والدمار ، كما قال اللّه تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً « 1 » تلك سنة اللّه في خلقه ولن تجد لسنته تبديلا . ولما أعلنت النفير العام حينما نشبت الحرب العالمية الكبرى جزم بتشتتها واضمحلالها . وكان لا يعبأ بانتصارات الألمان ولا يقيم لها وزنا ، ويبرهن على انخذالها في هذه الحرب مهما طال ثباتها وتوالت انتصاراتها . وكان من المنتحلين للمذهب الوهّابي ( المنسوب لمحمد بن عبد الوهاب ) ومن الدعاة إليه ، يناظر فيه عن علم ممزوج بآداب المناظرة وحسن المجادلة ، ولا يمنعه عن المجاهرة بعقيدته وأفكاره مخالفة الناس له في ذلك . ونبذه الناس لانتحاله هذا المذهب لمناظرته فيه ومطالعته كتب الشيخين ابن تيميّة وابن القيّم وإنكاره الشديد على أهل البدع ، ونسبوا كل من كان يحضر مجالسه إلى الوهّابية ، فكان يتحاماه أكثر عارفيه خصوصا في عهد السلطان عبد الحميد ، ومع هذا فإنه لم يزل مصرا على عقيدته ومجاهرته بآرائه ، لم يثن عزمه لوم لائم ولا وشاية واش . وله رسالة وجيزة في الرد على خطبة المسيو جبرائيل هانوتو التزم فيه السجع ، فمنها قوله : إن مقالته تقشعر منها الجلود ، وتتفطر منها الكبود ، أوقعت بعض الإسلام في حيرة . وصارت في مجتمعاتهم سيرة ، وتغيرت منهم السريرة ، فغدوا يتساءلون عن جنايتهم ، فالإنجيل شاهد ببراءتهم ، وكذلك الإلزاس واللورين ، وهم على ذلك من الشاهدين . وغير معلوم ما الحادي للوزير على هذا الأمر سوى ما كان من مسألة الحلول بمصر ، وأقرب منه مسألة فشوده . وما حصل فيها من الإهانة على جنوده ، فهي من أمل غير بعيد وتحمسه على غير الفاعل ما يطفأ له لهيب . أعلينا جناح كندة إذ يغنم غازيهم ومنا الجزاء « 2 »

--> ( 1 ) الإسراء : 16 . ( 2 ) البيت للحارث بن حلّزة اليشكري من معلقته .