محمد راغب الطباخ الحلبي
547
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ببناء مكتب رشدي وصار يحث الناس على تعليم أبنائهم وإخراجهم من هذا الجهل الفاشي فيهم ، فصار الناس من ذلك الحين يرسلون بأبنائهم لهذا المكتب ، وفشت فيما بينهم القراءة والكتابة بعد أن كانت الأمية غالبة فيهم . وكان مع تلك الهمة آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وربما سعى وهو في الرقة في إزالة المنكر بيده ، وذلك لما صار له هناك من الكلمة النافذة والقول المسموع ، ولما في قلوب الأهالي من المحبة له لما وجدوه فيه من الاستقامة والزهد فيما في أيديهم . وكان يتردد في أثناء تلك المدة إلى حلب لزيارة أقاربه وأحبابه ، فكنت أزوره ويزورني لما بيني وبينه من الصداقة المحكمة والمودة الخالصة من عهد الآباء والأجداد ، بل ولما بيننا وبينه من نوع القرابة ، فإن أخاه الشيخ عارف الذي لا زال حيا إلى الآن كان متزوجا ببنت عمتي الحاجّة عائشة . وأذكر أنه في إحدى قدماته صادف أن عقد عقدا لبعض أقاربنا في قاعتنا الكبيرة في دارنا في محلة باب قنسرين ، وحضر هذا العقد الجم الغفير من العلماء والفضلاء والوجهاء ، وكان المترجم فخطب خطبة النكاح وهي من إنشائه الحسن ، فكان لها تأثير عظيم في النفوس ، وكان لها رنة استحسان والكثير من الناس يتذكرونها إلى الآن . ولم يزل على طريقته الحسنة وحرمته وإجلاله عند أهالي الشهباء والرقة إلى أن توفي هناك ليلة السبت سلخ شهر ذي الحجة سنة 1336 ، وخرج لتشييع جنازته معظم أهل الرقة الرجال والنساء والأطفال ، ودفن بالقرب من مقام أويس القرني ، رحمه اللّه تعالى . ولما جاء نبأ نعيه إلى حلب أسف عليه جميع عارفي فضله وكريم أخلاقه . وكان مربوع القامة إلى الطول أقرب ، بدينا ، مستدير الوجه أبيضه ، كث اللحية نيّر الشيبة ، دائم البشاشة يبدو البشر على أسارير وجهه ، محبوبا لدى الحكام والوجهاء مقبول الشفاعة لديهم . وله من المؤلفات رسالة سماها « النافجة المسكية في الظباء الهندية » حقق فيها مسألة الروح واختلاف العلماء فيها تحقيقا جميلا . ورسالة في التقاء الختانين سماها « الأكسال في حديث الإنزال » وهو ( إنما الماء من الماء ) ، وعدة خطب منبرية ملتزما ذكر الفروع الفقهية والمواعظ الحكمية ، وعدة خطب في عقود الأنكحة منها الخطبة التي ألمعنا إليها ، ولولا طولها لأتينا عليها برمتها .