محمد راغب الطباخ الحلبي

546

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

امتلأ قلبه فزعا وفرقا ، لأنه كان عالما بما كان عليه السلطان عبد الحميد من السطوة والبطش . ثم إن الشيخ أبا الهدى شوّقه إلى السياحة والرحلة إلى البلاد الهندية بقصد نشر الطريقة الرفاعية هناك ، وحسّن له ذلك ، فأجابه إلى ما طلب ، وأخذ عنه الطريقة ، وسافر قاصدا تلك البلاد الشاسعة ، ولما وصلها حاول أن يتوصل إلى غرضه ويقوم بما عهد إليه ، فلم يتمكن من ذلك ، وذلك لشدة تمسك أهالي الهند بالطريقة القادرية واحترامهم العظيم المجاوز للحد للشيخ عبد القادر الكيلاني ، فأخفقت مساعيه وخابت آمال مرسله إلى هناك ، فعاد إلى وطنه حلب ، فألقى فيها عصا تسياره . وكان قبل سفره وجه إليه درس الحديث في الجامع الكبير وهو درس أبيه ، فأخذ في قراءته وعيّن خطيبا وإماما في جامع المدرسة الشعبانية ومدرسا عاما في مسجد شاهين بك ، وصار شيخا في مشيخة الزاوية الهلالية بعد وفاة شيخها الشيخ بكّور الهلالي رحمه اللّه وكالة عن الشيخ عبد القادر الهلالي ابن الشيخ بكور إذ كان صغيرا وقتئذ . وصار يقرئ دروسا نحوية وفقهية وغير ذلك ، فتلقى عنه الشيخ عبد الرحمن أبو قوس والشيخ مظهر أفندي الريحاوي الذي تولى القضاء في عدة أقضية من معاملات حلب . وصار في أواخر حياته مستشارا في المحكمة الشرعية في حلب والشيخ زكي أفندي الكاتب قاضي منبج الآن وغيرهم . وفي سنة عشر وثلاثمائة عيّن مفتيا للرقة من معاملات حلب ، فتوجه إليها ، ولما وصلها واستلم زمام وظيفته وجد أهلها على غاية من الجهل في أمور دينهم ودنياهم ، فنشر العلم هناك وصار يقرأ دروسا عامة ويعظ الناس ويحثهم على إقامة الصلاة ، إذ كان القليل فيهم من يؤديها لفرط جهلهم ، فلم تمض مدة وجيزة إلا وصار غالب أهاليها يقيمون الصلاة حتى النساء ، فصدق عليه حديث ( لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) . وأقرأ هناك كتاب « الموطأ » للإمام مالك . والخلاصة أن الأهالي هناك انتفعوا به مزيد النفع إذ قد طالت مدته فيهم . وسعى في تلك المدة ببناء جامع واسع مشتمل على عدة حجرات ، وبني بناء حسنا بحيث لا يوجد في البلدة بناء أجمل ولا أحكم منه . وسعى