محمد راغب الطباخ الحلبي

468

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

البصرة ، ولهذا السبب ولأسباب أخرى نوى العدول عن التجارة بتة وشرع في حل الشركة وتصفية أعمالها . وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بين الفرنسيس والألمان 1870 انتقل إلى باريس فأقام بها يتعاطى التجارة وخدمة المعارف . ولما أنشأ رزق اللّه حسّون سنة 1876 جريدة ( مرآة الأحوال ) في لندن تولى عبد اللّه مرّاش تحريرها ، ثم عاد إلى منشستر فلبث بها إلى سنة 1880 كاتبا لأشغال فتح اللّه طرّازي وأعماله التجارية ، وبعد ذلك فارقها فأتى باريس مرة ثانية حيث حرر في جريدة ( مصر القاهرة ) لأديب إسحق وجريدة ( الحقوق ) لميخائيل عورا وصحيفة ( كوكب المشرق ) لأحد رجال الفرنسيس . ثم زايلها وسافر إلى مرسيليا وألقى بها عصاه ولم يزل مقيما فيها إلى أن توفاه اللّه في 17 كانون الثاني سنة 1900 . هذا مجمل ما يذكر من تاريخ هذا الرجل وما تقلب فيه من أطوار الحياة ، وقد عبرت أيامه كلها على السكينة والدعة ، لأنه كان قليل المزاحمة والتطاول إلى بعيد الشؤون والتفاني في معالجة الحظوظ وابتغاء الشهرة والمقامات العلية بالإكثار من الجلبة والحراك . على أنه كان على حظ من الدنيا بلغ به مبلغ الرضى وهو الغنى كله ، فلم يكن بعد ذلك يحرص على حشد الدينار ولا يعاني الكسب . ولكنه انصرف إلى المطالعة والتوسع في العلم وهو ما لم ينقطع عنه قط مع اشتغاله بالتجارة أيضا . فإنه كان كثير الاختلاف إلى مكاتب لندن وباريز يتصفح ما فيها من الأسفار قديمها وحديثها ولا سيما الخطية منها ، فأدرك حظا وافرا من لغة العرب وتواريخهم وآدابهم ، وانتسخ منها عدة كتب عزيزة نذكر منها كتاب « يتيمة الدهر » للثعالبي ، وهو مصنف ضخم يكون نحوا من ألف وخمسمئة صحيفة كبيرة انتسخه من مكتبة باريز ثم عارضه بنسخة لندن ، وأشار إلى مواضع الفرق بين النسختين ، ونبه على ما وجده مباينا للصحة من غلط النساخ مما استدركه بنفسه ، وبعد ذلك عارضه بالنسخة المطبوعة في دمشق ، وبعد أن جمع بينها وبين نسخته وقد تتبعها صحيفة صحيفة وسطرا سطرا علق على هوامشها كل ما وجده من الفروق والزيادات وغيرها ، فكانت كل واحدة من هاتين النسختين أصح نسخ هذا الكتاب .