محمد راغب الطباخ الحلبي
469
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وهناك كتب ورسائل أخر كلها غرر آثار الأقدمين ونوادر تآليفهم انتسخها بخطه مع العناية والتدقيق في مقابلتها وتصحيحها . وكان مليح الخط نقيّ الرقعة ، كثير التأنق كأكثر خطاطي حلب . وكان يكتب أولا بقلم من القصب الهندي وهو شديد الصلابة لا يكاد يتشعث ولا يتغير ، ثم صار يكتب بأقلام الحديد ولذلك ترى خطه من أول الكتاب إلى آخره واحدا . وكان عبد اللّه من أكابر أهل الإنشاء ، حسن الترسل ، سهل العبارة ، واضح الأسلوب ، بصيرا باختيار الألفاظ والتراكيب ، حسن النقد ، حريصا على البلاغة ووضوح المعاني ، آخذا بالنصيب الأوفر من قوالب فصحاء العرب وألفاظ الخاصة من أهل الأدب . وكان مع ذلك متقنا اللغة الإنكليزية والفرنسوية والطليانية يكتب فيهن جميعا . وكان له باع طويل في التاريخ والفلسفة وعلم الأخلاق والأديان والشرائع المختلفة ، مشاركا في علوم المعاصرين كالطبيعيات والهيئة وسائر الفنون الرياضية . وكان بصيرا بالسياسة مطلعا على أسرارها ودقائقها ، وله في كل ذلك مقالات ورسائل شتى ، منها ما هو باق بخطه ومنها ما نشر في بعض الجرائد العربية في لندن وباريس وجرائد ومجلات القطر المصري . وأشهر ما طبع له منها مقالة في التربية التي نشرها تباعا في مجلة ( البيان ) اليازجية فلا حاجة إلى الإطناب في وصفها . وأما النظم فإنه مع تضلعه من فنون البلاغة وكثرة ما كان يحفظ من أشعار العرب والمولدين ومع اشتهار بيتهم في الشعر كان قليل الرغبة فيه والمعاناة له ، ولا سيما مع ما بلغ إليه الشعر في هذا العصر من الانحطاط والتفاهة ومع قلة المميزين بين جيده ورديئه . وأما صفاته الشخصية فقد كان ربعة القوام ، معتدل الجسم ، أبيض اللون ، طلق المحيا ، فصيح اللسان ، مهذب المنطق ، واسع الروية ، لطيف المحاضرة . وكان رجلا جليل القدر كامل الصفات ، قد جمع بين رزانة الإنكليز ورقة الفرنسيس وأريحية العرب . وكان على أعظم جانب من الزهد وخفض الجناح ، بعيدا عن الزهو والخيلاء ، منزها عن الدعوى والكبر ، حتى إنه مع سعة فضله ورسوخ قدمه في العلم والإنشاء وإجماع المطلعين على