محمد راغب الطباخ الحلبي
358
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ومنها ما حدث به الشيخ محمد الحجار أنه كان يوما في درسه الخاص حسب عادته ، وإذ قد رأيناه ينظر إلى الكراس الذي يقرأ فيه بتأمل ، ثم ينتفض بسرعة ويقول : يا لطيف ، وقد تكرر منه هذا العمل مرارا ، فتعجب كل الحاضرين من هذه الحالة الغريبة التي لم يعهدوا مثلها في الشيخ من قبل ، حتى إذا ما فرغ من الدرس وهممنا بالخروج من عنده وإذا زلزلة عظيمة كاد يسقط لها المكان . ومنها ما كنت سمعته من خالي السيد محمد كلزية غير مرة قال : كنت وأنا غلام أشتغل عند والدي في صنعة المنير ، فسمعت بدرس الشيخ فتوجهت إليه ، ولما سمعته تعشقته وواظبت على الدرس ، فتعطل لذلك بعض شغل والدي ، فنهاني عن ذلك إلا في أوقات الفراغ ، فلم أصغ لنهيه لشدة حبي للشيخ وتعلقي بدرسه ، وذهبت للجامع ، فما كاد يستقر بي الجلوس وإذا بالشيخ قد التفت نحو جهتي وقال ما معناه : يا إخوان ، إن بعض الناس يأتون إلى الدرس ليستمعوا وقد نهاهم آباؤهم عن ذلك إلا في بعض الأحيان ، ألا فليعلموا أن طاعة الوالدين واجبة ، فليسمعوا منهم ، ولا فلاح لمن لا يبر بوالديه . قال خالي : فأثرت فيّ تلك الكلمات ووصلت إلى أعماق فؤادي ، فنهضت للحال . وله مثل ذلك كثير . وممن ترجمه الشيخ يوسف النبهاني في كتابه « جامع كرامات الأولياء » ، ومما قاله : وكان رحمه اللّه من أفضل فضلاء هذا العصر وأعلمهم في العلوم العقلية والنقلية وأزهدهم في الدنيا وأرغبهم في الآخرة . وكان لا تأخذه في اللّه لومة لائم ولا يداهن أهل الدنيا لدنياهم ، بل يصدع بالحق ولا يبالي بكبير ولا صغير مأمور أو أمير . وحصل منه في نشر العلم في حلب وجهاتها النفع التام العام ، ووقع الإجماع عليه في تلك البلاد أنه فريد هذا العصر عندهم في العلم والعمل . وقد سمعت أوصافه هذه كلها من كثيرين ممن اجتمع بهم من أهل العلم وغيرهم بحيث لا شك بأنه كان كذلك وفوق ذلك ، وقد حدثني عنه الثقات أنه كان مع وفرة العمل والعلم صاحب كرامات وخوارق عادات ، فمن ذلك أنه كان يذكر في درسه ما يوافق ضمائر الحاضرين ويحل مشكلاتهم التي تتعلق في دنياهم وأخراهم ، ولما تكرر ذلك منه واشتهر بين الناس صاروا يقصدون درسه لذلك ، فإذا حضر الرجل في الدرس يسمع كلاما يتعلق بنيته من استحسان ما عزم على فعله أو استقباحه ،