محمد راغب الطباخ الحلبي
357
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وبلغ من زهده أن قدم إليه كثير من الوزراء ورؤساء الحكومة من الهدايا العظيمة التي تبلغ مئات من الدنانير ، فردها عليهم ولم يقبل منها شيئا معتذرا عن قبولها بأن عنده من المال ما يكفيه فلا حاجة له بها ، مما يدل على أن هناك نفسا قد اتخذت من حضائر القدس وجهة خاصة أغنتها عن زخارف الدنيا وزهرة الحياة الفانية . وكان ربع القامة أبيض اللون أسود العينين خفيف اللحية يلبس فروة من جلود الغنم . مكاشفاته وتنبؤاته : لا زال الناس يتحدثون عن مكاشفات الشيخ بالكثير الذي بلغ مبلغ التواتر بحيث لم يبق مجال لإنكارها ، وسلم له بذلك معاصروه وملازموه ، ولو جمعت ما كنت أسمعه منذ ثلاثين سنة إلى الآن من كراماته لبلغت مجلدا . وحمل هذه الكرامات الكثيرة والمكاشفات على مجرد الصدفة كما يقول منكر وذلك مجرد عناد ومكابرة منهم . وقد اشتهر في حياته أن دروسه كانت بغية السائل وهداية الضال ، فكثيرا ما أخبر في درسه العام عن الشؤون والأحوال التي تعترض الدولة التركية في أدوارها المستقبلية ، فجاءت بعد وفاته كفلق الصبح يتبع بعضها بعضا ، وقد أخبر عن هذه الحرب العامة قبل خمسين سنة بحيث قال غير مرة : يا ويل الناس من البلاء الذي سيحل بهم سنة 1333 ، ولم يزل بين ظهرانينا من سمعها منه أو سمعها ممن سمعها منه . ومن مكاشفاته ما حدثت به عن تلميذه شيخنا الشيخ أحمد المكتبي رحمه اللّه تعالى قال : كنت في حياة الشيخ مجاورا في المدرسة العثمانية وملازما للعزلة والانفراد في حجرتي ، فحدثتني نفسي يوما في الاجتماع مع بعض المجاورين وأن يكون اجتماعنا قاصرا على مطالعة كتاب أو قراءة مولد ترويحا للنفس ، فجئت ذلك اليوم إلى درس الشيخ فكان أول ما سمعته منه أن قال : أيها الإخوان ، إن بعض الطلبة يسأمون من دوام العزلة ويشتهون أن يجتمعوا مع رفقائهم ، إخواني إن اللّه إذا أحب عبدا كرّهه في معاشرة الناس . ومنها ما حدث به الشيخ حمادة البيانوني قال : كنت عولت على أن أتزوج ، ولكن ترددت أتزوج حلبية أو قروية ، فذهبت إلى درس الشيخ فسمعته يقول : إن بعضا من الناس يريد أن يتزوج ويتردد في أي المرأتين أحسن الحلبية أو القروية ، فأقول : إن القروية له أحسن لأنها تكون أقنع باليسير .