محمد راغب الطباخ الحلبي
356
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
لا قد اكتفينا ، ولم يأكل سوى ذلك . ولم نسمع أنه أجاب دعوة أحد من الكبراء غير هذه ، ولعله أجاب دعوة جودت باشا لأنه من العلماء كما ذكرنا ذلك في الكلام على ولايته . وكانت له الهيبة العظيمة في القلوب بحيث إن كل من رآه من الناس على اختلاف طبقاتهم وأديانهم يهابه بحيث إنه إذا كان مارا في الطريق يقف له المارون هيبة . وما كان يسلم في طريقه على أحد من الناس ، بل كان مشتغلا بقراءة الفاتحة ، هذا كله مع كمال التواضع والحلم والأناة ، حتى إنه قد اشتهر عنه أنه كان يخبز خبزه بيده ويحمله على كتفه وهو قد جاوز الثمانين ، ويأتي بجميع لوازمه البيتية يحملها بنفسه ، واجتهد كثير من خاصة أهل بلدته وعامتهم أن يساعدوه في حمل شيء منها فكان يأبى . وكان مع ما امتاز به من العلم والعمل على مقتضى الشريعة الإسلامية قد اشتهر عنه نصرة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يغلظ القول في رجال الدولة وغيرهم من الأمراء عندما يرى منهم أو يسمعه عنهم ما يخالف الشرع والحق ، لا يبالي بهم ولا تأخذه في اللّه لومة لائم . وكان ديدنه التأليف بين الناس وجمع القلوب إلى بعضها بعيدا عن كل فتنة ، لا يدع مجالا لمن رام ذلك ، عرف هذا الخلق منه عامة الناس على اختلاف طبقاتهم وأديانهم فعكفت القلوب جميعها على محبته وأجمعوا على مدحه والثناء عليه . وقد علم أهله وجيرانه أنه كان ينام نصف الليل أو ثلثيه بدون اضطجاع ولا فراش ، بل ينام على جلد محتبيا فلا يعلم أهل بيته أهو نائم أو مستيقظ ، ثم يقوم إلى الصلاة وقراءة الأوراد والأذكار بصوت متوسط بحيث يؤنس المستيقظ ولا يوقظ النائم . وأجمع أهل عصره أنه كان ورده في النهار قراءة الفاتحة يقرؤها دائما في قعوده وقيامه وفي طريقه ويقول : إنها مفتاح الخير ومغلاق الشر وفيها النجاة . وبلغ من احتياطه وتباعده عن مواطن الشبهات أنه كان لبناته بعض عقارات قد اشترينها من مالهن الموروث عن والدتهن ، فكان حينما يقبض بدل الإيجار لهن يضع ما يخص كل واحدة منهن على حدة خشية اختلاط المال من غير إذنهن . وحدثت مرة أنه قد اختلط معه البدل المذكور بماله فجمعهن وطلب منهن المسامحة وأنه لم يكن ذلك منه إلا سهوا .