محمد راغب الطباخ الحلبي
326
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ففرش صحنه بالبلاط الأصفر وكلّس قبليته ورواقه الشرقي ، وجدد أعلى منارته والمراحيض التابعة له ، ورمم عقاراته ، وأكثر هذه النفقات من ماله ومما تبرع به أهل الخير ، وقد كانوا لا يتأخرون عن مساعدته في هذا السبيل ثقة منهم به وأن ما يأخذه سيصرف في محله البتة . وكان قائما بشؤون جامع البكرجي أيضا ، وكان غيره متوليا عليه اسما وفي الحقيقة هو الذي يباشر أموره ، ففرش أيضا صحنه بالبلاط ورممه وعمر عقاراته من ريع أوقافه التي عمرت كما ينبغي . ومن أعمال المترجم الخيرية أنه بلط جادة جب القبة إلى قرب جامع بانقوسا ، وفرش الجادة من مسجد هارون دده حتى جوار داره ، وفرش الطريق الممتد من المحل المعروف بورشة الفعول حتى سبيل محلة الأبراج ، وكل ذلك من ماله الخاص . ولما حصل الغلاء سنة 1287 تصدق بمبالغ طائلة وسد ثلمة كبيرة في سبيل تلك المجاعة . وله نكتة لطيفة تنم عن ذكاء وحب مفرط لعمل الخير ، وهي أنه جاء ذات يوم إلى المحل المعروف بورشة الفعول حيث يجتمع الفعلة ، وسأل المجتمعين من كان منهم يشتغل مياومة بغرش ونصف ( ثمن مائة درهم من الخبز إذ ذاك ) فليتبعه ، فتبعه من كان اشتدت به الفاقة ، فمشى بهم إلى زقاق هادىء له منفذ ونقد كل واحد ريالا مجيديا وصرفهم وطلب إليه أن يذهب حيث شاء مشترطا عليه أن لا يعود من الطريق التي أتى منها . وكانت له وجاهة عند الولاة وقواد الجند وغيرهم من كبار الموظفين ، وكان متهالكا فيما يتعلق بالنفع مثل ترميم القناة ومكافحة الغلاء وتعمير الطرق ومناصرة الضعيف والمظلوم وغير ذلك من الأعمال التي غرست في قلوب مواطنيه حبه واحترامه ، وكان مع ذلك لا يحب الظهور والوظائف الرسمية ، وقد رفض مرارا عديدة تكليف كامل باشا الصدر الأعظم لما كان متصرفا على مركز حلب في سنة 1287 منصب رئاسة البلدية ، وقال له : إما أن تعفيني أو تنفيني أو تعطيني مهلة أربعين يوما لأهاجر من حلب . وأوصى قبيل وفاته بأن يكتب على قبره نص خاتمه الذي هو ( ربي اجعل عملي صالح ) وهذا يدل على تواضعه .