محمد راغب الطباخ الحلبي

192

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

يوما ، إما أن تقتلني يعني بالقلب أو أقتلك ، وخرج من الزاوية ، فما مضى إلا ستون يوما حتى انتقل إسحق ، وبقي الشيخ في الزاوية وحده وظهر قدس سره بمظهر عجيب . وكان مهابا موقرا يشافه الوزراء والأمراء والحكام والقضاة بالمكروه فلا يقدر أحد منهم على الجواب ويتحاشون من قلبه ويخافون . وكان تارة يتكلم بكلام لا يفهم وتارة يشير إلى أمر مبهم يفهمه من يفهم ، له كشف صريح ، وسر يسري بمريض القلب والصحيح . وقع لي غير مرة قدست أسراره منه ملاحظات ظاهرة وباطنة ، وكان يحبني ولا يتخلى عني . وكان بعد الثلاثين والمائتين خرج إلى إدلب ، ثم منها إلى الساحل ، ثم إلى الشام ومعه من أقاربه وأتباعه جماعة ، ثم عاد إلى إدلب ، فاشتد شوق أهل حلب إليه خصوصا الوجوه المشاهدين بركاته ، فتعاطوا أسباب تشريفه وأرسلوا له مرسالا خفية ليحسن له القدوم إلى حلب أو إلى أقاربه ، وكان في سرمين فأبى إلا التوجه إلى إدلب ، وقام في الحال وتوجه إليها ، فوصلها فما استقام إلا حصة يسيرة حتى تغيرت أحواله وانزوى في جهة البيت وقال لمن حضر : أصابتني رجة سماوية ، وطلب النزول إلى حلب حالا ، فحاوله الأقارب وحسنوا له الإقامة في إدلب لينظروا في حاله فلم يمكن ، وقال : اخترت أولا مقابر إدلب فلم يحصل الإذن إلا في مقابر حلب ، فأركبوه في الحال وهم معه ، فلما وصل إلى قرية بنّش بال الدم مرات وعجز عن الركوب ، وصار ينزل عن ظهر الدابة ويضطجع في الأرض ، فعل ذلك مرات إلى أن وصل إلى خانطومان فحصل له إفاقة ووصل إلى حلب كأنه نشط من عقال ، وأقام في الزاوية معه أقاربه مقدار يومين ، ثم في اليوم الثالث دخل الحمّام فخرج منها وقد عادت عليه الحال كما كانت أولا ، وصار يبصق الدم ، وكل يوم في ازدياد إلى أن أدركه الموت ووقع أجره على اللّه ليلا في أوائل شوال سنة 1232 ألف ومائتين واثنتين وثلاثين ولم يصل إلى عشر الستين في السن . وكان لهذا الأستاذ إسماعيل ولد اسمه علي ، وكان لا يألفه ولا يؤويه ، ولكن لا عن بغض لكون هذه الطائفة المباركة عادتهم إيواء البعداء وطرد القرباء لحكمة إلهية . ثم إن الشيخ إسماعيل طرد ابنه عليا هذا بالقلب بعد أن تزوج وولد له ، فأقام في سرمين عند شقيقته وبني عمه إلى أن توفي وجاء خبر موته إلى حلب سنة . . . « 1 » وكنا ذلك اليوم

--> ( 1 ) لم يذكر سنة وفاته ، وقدسي أفندي توفي سنة 1222 فتكون وفاته حول ذلك ولعلها سنة 1221 ، وما ذكر في كتاب « بهجة الحضرتين » سنة 1271 غلط أو سهو من الطبع .