محمد راغب الطباخ الحلبي

112

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وفي سنة 920 توجه به والده إلى الشام فتوطن فيها ، وكان قد حصل في حلب الفقه والفرائض ، وأخذ هناك في الاشتغال بالطريق على الشيخ أحمد المنباوي ، وتآخى مع الشيخين الجليلين الشيخ محمد الزغبي المدفون في سفح جبل قاسيون والشيخ الحليق ، واختلط بالعلماء العارفين والأولياء الصالحين . ثم لم يزل رضي اللّه عنه في ترق من الأحوال حتى ظهرت عليه آثار الكشف ولاحت لديه لوائح الكرامة وتحقق خساسة الدنيا ورذالة أهلها ، وتيقن نفاسة الآخرة ونزاهة ذويها ، ولزم الخلوة والعزلة ، وكان فيها العزّله ، وهجر الطعام وترك المنام ، وساح في الجبال والأودية والآكام ، وتوالت عليه أنوار آبائه وأجداده وأسلافه أهل بيت النبوة والعرفان ، وصار الناس يترقبون ما يصدر عنه من المكاشفات ، فحينئذ يظهر من فمه المبارك كلمات تنبي عن كل ما أضمره مترقبه مما أسره بإذن اللّه تعالى . ثم لما عاد مع والده من الشام اشتهر بين الناس بالولاية والاعتقاد ، وصار الناس يعتقدونه ويهرعون إليه ويتبركون به ويترددون إليه لينالوا بركته ويكاشفهم بما في خواطرهم بالمكاشفات الصريحة . وكان رضي اللّه عنه يتردد غالبا إلى الجبل الأوسط الذي هو مكان تكيته الآن قبل بناء شيء فيه . وسبب تردده إليه أن بعض أجداده وهو السيد عبد الحافظ مدفون ثمة ، وسبب دفنه في هذا الجبل أن السيد المذكور كان وطنه ببيت المقدس في زاوية أجداده بوادي النسور المشهورة بزاوية الشرفات ، فحصل له ولد مبارك سماه السيد بهاء الدين داود ، واشتغل بالعلم والعبادات والطاعات ، وتحلى بالرياضات والمجاهدات ، فحينئذ خلفه والده ، وتوجه إلى زيارة جده الأعلى سيدي أبي الوفا تاج العارفين بجهة العراق ، فمر في طريقه على مدينة حلب الشهباء فمرض بها فسأل عن مكان معتدل الهواء فدلوه على الجبل الأوسط ، فذهب إليه لتعليل مزاجه . ثم إنه بعد أيام انتقل بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى ودفن في الجبل المذكور ، فكان الشيخ أبو بكر يتردد إلى هذا الجبل لزيارة جده السيد عبد الحافظ ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن دفن الشيخ أبو بكر في هذا المكان ، وعمرت عليه هذه القبة العظيمة ثم هذه التكية المباركة العديمة النظير ، وصارت مأوى لفقراء الوفائية ومحط رحال السادة الصوفية . ثم بعد وفاة الشيخ وظهور خليفته الشيخ أحمد القاري بعده عمرت هذه التكية على