محمد راغب الطباخ الحلبي
12
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
طويلا ثم عاد إلى الشام ، وله أشعار كثيرة فيها ذكر حلب ونواحيها ، وكان يتعزل بها . وقد روى عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد ومحمد بن خلف بن المرزبان والقاضي أبو عبد اللّه المحاملي ومحمد بن أحمد الحكيمي وأبو بكر الصولي وغيرهم . قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي : رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق يجتاز بنا في الجامع من هذا الباب وأومأ إلى جنبتي المسجد يمدح أصحاب البصل والباذنجان وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه ، ثم كان منه ما كان في علوة التي شبب بها في كثير من أشعاره ، وهي بنت زريقة الحلبية وزريقة أمها . وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي تمام الطائي أن البحتري كان يقول : أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس ولا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره ، فلما سمع شعري أقبل علي وترك الناس ، فلما تفرقوا قال لي : أنت أشعر من أنشدني فكيف حالك ؟ فشكوت خلة ، فكتب إلى أهل معرة النعمان وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال : امتدحهم ، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصبته . وقال أبو عبادة المذكور : أول ما رأيت أبا تمام وما كنت رأيته قبلها أني دخلت إلى أبي سعيد محمد بن يوسف فامتدحته بقصيدتي التي أولها : أأفاق صبّ من هوى فأفيقا * أم خان عهدا أم أطاع شفيقا فأنشدته إياها ، فلما أتممتها سرّ بها وقال لي : أحسن اللّه إليك يا فتى ، فقال له رجل في المجلس : أعزك اللّه شعري علقه هذا الفتى فسبقني به إليك ، فتغير أبو سعيد وقال لي : يا فتى قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمتّ به إلينا ولا تحمل نفسك إلى هذا ، فقلت : هذا شعري أعزك اللّه ، فقال الرجل : سبحان اللّه يا فتى ، لا تقل هذا ، ثم ابتدأ فأنشد من القصيدة أبياتا ، فقال لي أبو سعيد : نحن نبلغك ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا ، فخرجت متحيرا لا أدري ما أقول : ونويت أن أسأل عن الرجل من هو ، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي : جنيت عليك فاحتمل ، أتدري من هذا ، فقلت : لا ، قال : هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام فقم إليه ، فقمت إليه فعانقته ، ثم