محمد راغب الطباخ الحلبي
13
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
أقبل علي يقرظني ويصف شعري وقال : إنما مزحت معك ، فلزمته بعد ذلك وكثر عجبي من سرعة حفظه . وقيل للبحتري : أيما أشعر أنت أم أبو تمام ؟ فقال : جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه . وكان يقال لشعر البحتري سلاسل الذهب ، وهو في الطبقة العليا . ويقال إنه قيل لأبي العلاء المعري : أي الثلاثة أشعر أبو تمام أم البحتري أم المتنبي ؟ فقال : المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري ، ولعمري ما أنصفه ابن الرومي في قوله : والفتى البحتري يسرق ما قا * ل ابن أوس في المدح والتشبيب كل بيت له يجوّد معنا * ه فمعناه لابن أوس حبيب وقال البحتري : أنشدت أبا تمام شيئا من شعري فأنشدني بيت أوس بن حجر : إذا مقرم منا ذرا « 1 » حدّ نابه * تخمّط فينا ناب آخر مقْرم وقال : نعيت إليّ نفسي ، فقلت « 2 » : أعيذك باللّه من هذا ، فقال : إن عمري ليس يطول وقد نشأ لطيىء مثلك ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شيبة « 3 » وهو من رهطه وهو يتكلم فقال : يا بني نعى نفسي إليّ إحسانك في كلامك ، لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله ، قال : فمات أبو تمام بعد سنة من هذا . وقال البحتري : أنشدت أبا تمام شعرا لي في بعض بني حميد وصلت به إلى مال له خطر فقال لي : أحسنت ، أنت أمير الشعراء بعدي ، فكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته . وقال ميمون بن هارون : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ ( صاحب فتوح البلدان وهو مطبوع ) وحاله متماسكة فسألته فقال : كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء فقال : لست أقبل إلا ممن قال مثل قول البحتري في المتوكل : فلو ان مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لمشى إليك المنبر
--> ( 1 ) في الأصل : درى . ( 2 ) في الأصل : فقال . والصواب ما أثبتناه كما يقتضيه سياق الكلام . ( 3 ) في الأصل : شبة .