محمد راغب الطباخ الحلبي

130

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وقال في وصفه لمدينة منبج : بلدة فسيحة الأرجاء صحيحة الهواء يحف بها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء ، جوها صقيل ومجتلاها جميل ونسيمها أرج النشر عليل ، نهارها يندى ظله وليلها كما قيل فيه سحر كله ، تحف بغربيها وبشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار والماء يطرد فيها ويتخلل جميع نواحيها ، وخصص اللّه داخلها بآبار معينة شهدية العذوبة سلسبيلية المذاق تكون في كل دار منها البئر والبئران ، وأرضها أرض كريمة تستنبط مياها كلها ، وأسواقها وسككها فسيحة متسعة ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعا وكبرا ، وأعالي أسواقها مسقفة وعلى هذا الترتيب أسواق أكثر مدن هذه الجهات . لكن هذه البلدة تعاقبت عليها الأحقاب حتى أخذ منها الخراب ، كانت من مدن الروم العتيقة ولهم فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها ، ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها ، ومدن هذه الجهات كلها لا تخلو من القلاع السلطانية ، وأهلها أهل فضل وخير سنيون شافعيون ، وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة والعقائد الفاسدة كما تجده في الأكثر من هذه البلاد ، فمعاملتهم صحيحة وأحوالهم مستقيمة وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق سليمة ، فكان نزولنا خارجها في أحد بساتينها ، وأقمنا يوما مريحين ، ثم رحلنا نصف الليل ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور . وقال في وصفه لبلدة بزاعة : بقعة طيبة الثرى واسعة الذرى ، تصغر عن المدن وتكبر عن القرى ، بها سوق تجمع بين المرافق السفرية والمتاجر الحضرية ، وفي أعلاها قلعة كبيرة حصينة رامها أحد ملوك الزمن فغاظته باستصعابها ، فأمر بثلم بنائها حتى غادرها عودة منبوذة بعرائها . ولهذه البلدة عين معينة يخترق ماؤها بسيط بطحاء ترف بساتينها خضرة ونضارة وتريك برونقها الأنيق حسن الحضارة . ويناظرها في جانب البطحاء قرية كبيرة تعرف بالباب بين بزاعة وحلب ، وكان يعمرها منذ ثماني سنين قوم من الملاحدة الإسماعيلية لا يحصي عددهم إلا اللّه ، فطار شرارهم وقطع هذه السبيل فسادهم وإضرارهم حتى داخلت أهل هذه البلاد العصبية وحركتهم الأنفة والحمية ، فتجمعوا من كل أوب عليهم ووضعوا السيوف فيهم فاستأصولهم عن آخرهم وعجلوا بقطع دابرهم وكومت بهذه البطحاء جماجمهم ، وكفى اللّه