محمد راغب الطباخ الحلبي
131
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
المسلمين عاديتهم وشرهم ، وأحاق بهم مكرهم والحمد للّه رب العالمين . وسكانها اليوم قوم سنيون ، فأقمنا بها يوم السبت ببطحاء هذه البلدة مريحين ورحلنا في الليل وأسرينا إلى الصباح ، ووصلنا مدينة حلب ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول والرابع والعشرين ليونيه . وقال في وصفه لحلب حرسها اللّه تعالى : بلدة قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير ، خطابها من الملوك كثير ، محلها من النفوس أثير ، فكم هاجت من كفاح وسلت عليها من بيض الصفاح ، لها قلعة شهيرة الامتناع بائنة الارتفاع معدومة الشبه والنظير في القلاع ، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع ، قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة ، منحوتة الأرجاء موضعة على نسبة اعتدال واستواء ، فسبحان من أحكم تقديرها وتدبيرها وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها ، عتيقة في الأزل حديثة وإن لم تزل ، قد طاولت الأيام والأعوام وشيعت الخواص والعوام ، هذه منازلها وديارها فأين سكانها قديما وعمّارها ، وتلك دار مملكتها وفناؤها فأين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها ، أجل فني جميعهم ولم يأن بعد فناؤها فيا عجبا للبلاد تبقى وتذهب أملاكها ويهلكون ولا يقضى هلاكها ، تخطب بعدهم فلا يتعذر ملاكها وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها ، هذه حلب كم أدخلت من ملوكها في خبر كان ونسخت ظرف الزمان بالمكان . أنّث اسمها فتحلت بزينة الغوان ودانت بالغدر فيمن خان وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان . هيهات هيهات سيهرم شبابها ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها ، وتتطرق جنبات الحوادث إليها حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها ، لا إله سواه سبحانه جلت قدرته ، وقد خرج بنا الكلام عن مقصده فلنعد إلى ما كنا بصدده فنقول : إن من شرف هذه القلعة أنه يذكر أنها كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم بغنيمات له فيحلبها هناك ويتصدق بلبنها ، فلذلك سميت حلب واللّه أعلم . وبها مشهد كريم يقصده الناس ويتبركون بالصلاة فيه . ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع وقد صنع عليه جبان فهما ينبعان ماء فلا تخاف الظمأ أبد الدهر ، والطعام يصبر فيها الدهر كله ، وليس في شروط الحصانة أهم ولا آكد من هاتين الخلتين ويطيف بهذين الجبين المذكورين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد ، ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه . وشأن هذه القلعة في الحصانة والحسن أعظم من أن ننتهي إلى وصفه ، وسورها الأعلى كله أبراج