مؤلف مجهول
80
الإستبصار في عجايب الأمصار
وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جيوش الروم فتندموا . فرد عمرو مع رسله أنه ليس بيننا وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال : إما أن تدخلوا في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لنا ما لكم وعلينا ما عليكم ؛ فإن أنتم أبيتم أعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون ؛ أو جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم ، وهو خير الحاكمين . فلما رجعت رسل المقوقس قال لهم كيف رأيتموهم ، قالوا رأينا أقواما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب وأميرهم كواحد منهم ، يغسلون أطرافهم بالماء ، فإذا حضرت صلاتهم لم يتخلف عنها أحد منهم ويتخشعون في صلاتهم تخشيعا كثيرا . فقال المقوقس والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ، وإن لم يغننا صلح « « ا » » هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل فإنهم لن يجيبوننا إذا تمكنوا من الأرض . وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه ، والمسلمون قد أحدقت بهم المياه من كل جانب لا يقدرون على النفوذ إلى الصعيد ولا إلى غيره . ثم بعث إليهم عمرو بن العاص 10 رجال أحدهم عبادة ابن الصامت ، وكان أسود اللون من العرب ، وأمرهم أن يكون متكلم القوم فإنه كان فصيحا ، وأمرهم أنه لا يجيبهم إلا إلى إحدى ثلاث خصال وهي المتقدم ذكرها . فركبوا السفن ودخلوا على المقوقس ؛ فتقدم عبادة للكلام فهابه المقوقس لسواده وقال نحوا عنى هذا الأسود وقدموا غيره ، فقالوا جميعا إن هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وعلما . فكلمه عبادة « « ب » » ثانيا ، فقال المقوقس لأصحابه : لقد هبت منظره وإن قوله عندي لأهيب ، وإن هذا وأصحابه إنما خرجوا إلى خراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها . وقال نعطى كل من في الجيش دينارين ونعطى أميرهم 100 دينار ونبعث إلى خليفتهم 1000 دينار ؛ فلم يجبه عبادة إلا إلى إحدى ثلاث خصال . فقال المقوقس لأصحابه ما ذا ترون ؟ فقالوا : أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يمكن ولا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه ، وأما ما أرادوا [ من ] أن يجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك ، فإن رضوا بأن نضعف لهم ما أعطيناهم وينصرفوا عنا كان أهون علينا .
--> « ا » « لم يغننا صلح » ناقصة في ب . « ب » هنا يوجد خرم في ب يقدر بحوالي صفحتين تقريبا .