مؤلف مجهول
71
الإستبصار في عجايب الأمصار
بذلك الموضع أياما كثيرة لا يأكل ولا يشرب ؛ ثم إنه غاب عنهم فلم يقفوا على موته ولا على شئ من أمره . وكان عهد إلى أخيه ماليا فلما غاب عنهم أقاموا ماليا أخاه مقامه ، فكان همه في الأكل والشراب والرياسة ، غير ناظر في شئ من الحكمة ، وانما استقام له الأمر بهيبة أخيه كلكن ، وتقديرهم أنه لم يمت وأنه سيرجع إليهم . وكان لماليا ولد كان أكبر ولده ، وكان جبارا جريئا شديد البأس ، وكان يستجهل أباه لخلوده إلى الراحة ، فأعمل الحيلة في قتله وحملته على ذلك أمه وبعض وزراء أبيه ، فهجم على أبيه في رواقه وهو سكران فقتله ، وقتل معه امرأة له من بنات الملوك كانت قد غلبت على أمره ، فقتلها وصلبها وجلس على سرير ملك أبيه . وكان مهيبا شديد البأس كثير القتل ، فتزعم القبط أنه أول الفراعنة بمصر ، وأنه فرعون إبراهيم عم « 1 » . والفراعنة سبعة وهو كان أولهم . وقيل إنما سمى فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته وأهل بيته وخدمه ونساءه وكثيرا من الكهنة والحكماء . وكان حريصا على الولد فلم يرزق ولدا غير ابنة واحدة سماها حورية ، وكانت عاقلة حكيمة ، وكانت تسدد أباها كثيرا ، وتمنعه من كثير من الشر والقتل . فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكه فسمته ، فمات بعد أن ملك سبعين سنة . فتنازعوا في تمليكها عليهم ثم اجتمعوا عليها إلا أهل مدينة أبريت فإنهم ملكوا عليهم رجلا منهم ، وكان من ولد أبريت بن مصر الملك المتقدم الذكر ، وبه سميت مدينة أبريت ، يقال له أبراحش . فجرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أبراحش ، فهرب خوفا من حورية إلى الشام ، وكان بها الكنعانيون من ولد عمليق ؛ فاستغاث بملكهم فأخبره بأمره وقرب عليه مصر ، وسول له تصييرها إليه . فجهز ملك الشام مع أبراحش جيشا عظيما « « ا » » ، وقدم عليه رجلا من قواده ، فلما قرب من مصر بعثت حورية « « ا » » طيرا لها إلى جيرون تقول له : إن فلانة سمعت بك وأحبتك ، وهي تريد زواجك وأن تكون لها أهلا ، وتعطيك بلاد مصر . فسر جيرون بما سمع منها ورغب فيما قالت له ، ثم عقدت معه أن يقتل أبراحش . فقال
--> « ا » الجمل الواقعة بين ( ا ) ، ( ا ) ناقصة في ب . ( 1 ) البكري ، المخطوط ، ص 29 ، 30 ، 31 ؛ المسعودي ، مروج الذهب ، ج 2 ص 396 ؛ ابن عبد الحكم ، ص 9 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 36 - 37 ، 140 .