مؤلف مجهول

72

الإستبصار في عجايب الأمصار

لها وكيف أصنع ؟ فأخرجت له سما ، فسم به أبراحش فمات في الحين . فلما أراد أن يصل إليها بعثت إليه أنه لا يجوز أن أتزوجك حتى تظهر في بلادي قوتك وحكمتك لكي أعذر في زواجك ، وأريد أن تبنى لي مدينة عجيبة أدخل معك فيها ، فإني أكره الدخول عليك في بلادي وبين أهل بلدي . وأن مدينة في بلاد مصر كانت لأوائلنا قد خربت ، فانظر موضعها واظهر حكمتك فيها ، وبعثت معه من يريه الإسكندرية . قيل فجد جيرون في بنائها ، وبعثت إليه حورية من مصر مائة ألف صانع ، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال ، فلما فرغ من بناء المدينة ، وجه إليها يعلمها بتمام المدينة ويحثها على القدوم عليه . فوجهت إليه فرشا كثيرة فاخرة وآلات عجيبة ، وقالت له : « قسم جيشك أثلاثا وابعث الثلث الأول ، حتى إذا بلغت نصف الطريق فابعث إلى الثلث الثاني ، فإذا بلغت الثلثين من الطريق ، فابعث إلى الثلث الثالث حتى يكون الجيش من ورائي ومن أمامى ، لئلا يراني أحد إذا دخلت عليك ؛ ولا أحب أن أجد معك سوى صبية تخدمك . ثم أقامت تجهز له الجهاز والأموال حتى أيقن بإقبالها ، فوجه إليها ثلث جيشه . فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة وخرجت إليهم في خيولها وخدامها ، فلما لقوها أنزلتهم وأمرت حشمها فأقبلوا عليهم بالأطعمة والأشربة والطيب ، كل ذلك من مسموم ، فلم تصبح منهم عين تطرف « « ا » » . ثم سارت فلقيها الثلث الثاني من الجيش ، ففعلت بهم كذلك . ثم سارت فلقيها الثلث الثالث ، ففعلت بهم مثل ذلك ، وهي تبعث إليه وتقول : إني بعثت الجيش إلى مصر يحفظها بعدى ، إلى أن دخلت على جيرون هي وطير لها وجوار كن معها ، فرشقت طيرها عليه ، فارتعدت مفاصله وخارت قواه ، ولم يملك نفسه شيئا فأيقن بالهلاك ؛ وقال جيرون : « من ظن أنه يغلب النساء فقد كذبته نفسه » . فقيل إنها فصدته وأسالت دمه حتى مات ، فقالت : « دماء الملوك شفاء النفوس » . وأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها فنصبته عليه ، وحملت بيوت أمواله إلى منف دار مملكتها ، وبنت حينئذ منار الإسكندرية ، وزبرت عليه اسمها واسمه ، وما أراد وما فعلت به ، وتاريخ الوقت الذي كان فيه ذلك . ويذكر في بناء منار الإسكندرية غير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى . قيل فلما اتصل خبر حورية بالملوك وما فعلت بالجيش الذي دخل بلادها ، هابوها وعظمت في أعينهم ، فمن كان

--> « ا » الجملة الأخيرة ناقصة في ب .