مؤلف مجهول

69

الإستبصار في عجايب الأمصار

بعالمه ، وأمرهم أن يجعلوا جسده في حرز من حجارة وينصب في الهيكل ، وينصب تمثاله عليه ، ويكون ذلك وزحل في شرفه ، والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث ، والقمر زائد ، وتنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة . فأمر الملك فعملت صورة الثور من ذهب ، وكللت بأصناف الجوهر ، وصنعوا سائر ما أمرهم به ذلك الثور ، وفي الوقت الذي حدد لهم . وكان ذلك التمثال يخبرهم ما أمرهم به ذلك الثور ، وفي الوقت الذي حدد لهم . وكان ذلك التمثال يخبرهم بالعجائب وما يحدث وقتا وقتا ، ويجيبهم عن جميع ما يسألونه عنه ، فعظم أمر ذلك التمثال ، فنذرت له النذور وقربت له القرابين ، وقصده الناس من الآفاق فكان يخبرهم بما يريدون . وبقيت عبادة البقرسنة في دولة ذلك الملك يتوارثونها خلف عن سلف « 1 » ، إلى أن ملك منهم ملك يقال له ما ليق ، وكان موحدا على دين من سبق من أجداده ، قطيم ومصر ، فكانت القبط تذمه لذلك ؛ وكانت القبط تعبد الكواكب والبقر . وكان هذا الملك يستعمل الغزو والجولان على البلاد ؛ وزعم بعض أهل مصر أن اللّه تعالى أيده بملك من الملائكة يوعظه ويرشده ، وربما أتاه في نومه فأخبره بالأشياء وأمره ونهاه . فجمع جيوشا عظيمة وأتخذ سفنا كثيرة في البحر ، وغزا جموع البربر برا وبحرا وهزمهم وأستأصل أكثرهم ، وبلغ إفريقية وقتل أكثر أهلها وكانوا على الكفر . واتخذ في بحر الروم 400 سفينة ، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن غزا بلاد الأندلس . ومشى إلى بلاد الإفرنج وكان بها ملك عظيم ، فحشد أمم نواحيه وأقام يحاربه شهرا ثم طلب السلامة والأمان ، وأهدى إليه هدايا كثيرة . فسار عنه ودوخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها ، وعمل أعلاما على البحر الأخضر ، وزبر عليها اسمه وتاريخ الوقت الذي عملها فيه . وخرب مدن البربر حيث كانت حتى ألجأهم إلى ذرى الجبال ، ثم رجع إلى مصر ، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب ، وفرشت له الطرقات بأنواع الرياحين والأزاهير ، ودخل قصره وهو غانم موفور ؛ وذلك صنع اللّه لمن وحده ولم يشرك به شيئا . وأمر أن يبنى له ناووس فكان يتعبد فيه ، فلما حضرته الوفاة أمر أن يدفن فيه ، وألا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا جوهر . فلم يدفن معه سوى الطيب ، وصحيفة مكتوبة بخطه : هذا ناووس فلان

--> ( 1 ) قارن البكري ، المخطوط ، ص 24 ؛ المقريزي ، الخطط ، ج 1 ص 138 .