عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
469
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
له : هبك أمنت النّقض من جهة العرف والعادة ؛ لإتقانك لهما ، فمن لك بالأمان من جهة الشّرع ، أفتعرفه ؟ فقال : لا ، ولكنّي سأحكم بالعدل ، والعدل لا يتغيّر ، ولا يمكن نقضه بحال . فأكبرت ما في طيّ تلك الأسمال البالية « 1 » وتحت تلك اللّحية الشّعثة من الحكمة الّتي ابتعدت عن مجالس القضاة اليوم ، وزادني ذلك تصديقا لقول الإمام علي كرّم اللّه وجهه : ( العلم نقطة ، وإنّما وسّعته آراء الجهّال ) أو ما هذا معناه . وقد قال زهير في جاهليّته [ من الوافر ] : فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث * يمين أو نفار أو جلاء فكان ابن الخطّاب رضي اللّه عنه يتعجّب من معرفته بمقاطع الحقوق مثلما تعجّبت من حبريش . وروى الشّيخ أحمد بن سهل « 2 » - وكان جارا لقاضي مصر بكّار بن قتيبة « 3 » - أنّه مرّ ببيت بكّار أوّل اللّيل وهو يتلو هذه الآية : ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) قال : ثمّ انتبهت من آخر اللّيل فسمعته يكرّرها . وقد كان بكّار من أعدل القضاة حكما ، وأشرفهم موقفا ، ولمّا حبسه أحمد بن طولون . . استردّ منه ما أعطاه - وقدره عشرة آلاف دينار - فألفاها بختمها ، لم يمسّها زهدا وورعا .
--> ( 1 ) الأسمال : الثّياب البالية . ( 2 ) هو أحمد بن سهل الهروي ، وهذه القصة رواها أبو بكر ابن المقري في « فوائده » قال : سمعت محمد بن بكر الشعراني يقول : سمعت أحمد بن سهل الهروي يقول : . . إلخ . ( 3 ) هو بكار بن قتيبة ، من ذرية الصحابي أبي بكرة الثقفي ، البكراوي ، ولد سنة ( 182 ه ) ، وتوفي سنة ( 270 ه ) ، حنفيّ ، تفقه بهلال بن يحيى وعيسى بن أبان ، وأخذ الحديث عن أبي داود الطيالسي قال أبو عمر الكندي : وسمعت علي بن أحمد بن سلامة يقول : تعرف الإجابة عند قبر بكار بن قتيبة . ترجمته في : « الولاة والقضاة » لأبي عمر الكندي ( 477 ) ، « رفع الإصر » للحافظ ابن حجر العسقلاني ، و « السير » للذهبي .