عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

470

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

وما كان حبسه - وإن كان له سبب معروف - إلّا ناشئا عن الحسد ؛ بأمارة أنّه قال له : غرّك قول النّاس : ما في الدّنيا مثل بكّار . وقيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكيّ « 1 » : ألا تؤلّف كتابا في آداب القضاء ؟ فقال : وهل للقضاء من أدب غير العدل ؟ اعدل ومدّ رجليك في مجلس القضاء . أو ما هذا معناه . فمثّل بين هذا وبين ما أسلفناه عن القضاء في المكلّا . وقال سعيد بن شريك في خطبته : ( أيّها النّاس ، إنّ الإسلام حائط منيع ، وباب وثيق ، فحائطه الحقّ ، وبابه العدل . ولا يزال الإسلام منيعا ما اشتدّ السّلطان ، وليس شدّته القتل بالسّيف ، والضّرب بالسّوط ، لكن قضاء بالحقّ وأخذ بالعدل ) . وقوله : ( اعدل ومدّ رجليك . . إلخ ) شبيه بما يؤثر عن بعض ملوك الهند في الموضوع . وفي عهد عليّ للأشتر ما نصّه : ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم « 2 » ، ولا يتمادى في الزّلّة ، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم . ويروى أنّ معاوية كثيرا ما ينشد إذا اجتمع النّاس قول سعيد بن غريض أخي السّموءل [ من السّريع ] : إنّا إذا جارت دواعي الهوى * وأنصت السّامع للقائل واعتلج القوم بألبابهم * في المنطق القائل والفاصل لا نجعل الباطل حقّا ولا * نلطّ دون الحقّ بالباطل

--> ( 1 ) هو القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي المالكي ، ولد سنة ( 200 ه ) ، وتوفي سنة ( 282 ه ) ، وبيت حماد بن زيد هم الذين نشروا مذهب مالك في العراق ، تردد العلم في بيوتهم ( 300 ) عام ، وكان القاضي إسماعيل هو الباعث للمبرّد على تأليف كتابه « التعازي والمراثي » . ترجمته في « الديباج المذهب » ( 92 ) ، « تاريخ بغداد » ( 6 / 284 ) . ( 2 ) تمحكه الخصوم : قال ابن أبي الحديد في « شرح نهج البلاغة » : تجعله ماحكا ؛ أي : لجوجا .