عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
190
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
وهو كآبائه ، محبّ بنفسه للعدل ، بعيد من الظّلم ، إلّا أنّه يرخي الأعنّة للحكّام وللعمّال . وبما عرفوا من انبنائه على العفو الواسع ، والحلم الشّامل . . أخذوا يتبسّطون في المظالم ، ونخاف أن يخلقوا له بأعمالهم الّتي هو منها براء بغضا في القلوب من دون جناية فعلية ، ولا نجاة من ذلك الخطر إلّا بأن يأخذ هو ووزيره بسيرة ابن الخطّاب في مراقبتهم وبثّ الأرصاد عليهم ، حتّى إنّه ليصبح وكأنّما بات مع كلّ واحد في فراشه ، تأتيه أخبارهم بدون غشّ في كلّ ممسى ومصبح ، ويقول : ( لو ضاعت ناقة بشاطىء الفرات . . لكان المسؤول عنها آل الخطّاب ) وما يعني إلا نفسه ، ويقول : ( لو عثرت دابّة كانت التّبيعة عليّ ) ، قيل له : ( ولم ) . . قال : ( لأنّ من واجبي تعبيد الطّرقات ) أو ما يقرب من هذا . وتلك هي سيرة أزدشير بن بابك « 1 » ، وقد تقيّلها « 2 » معاوية بن أبي سفيان ، وزياد بن أبيه « 3 » ، فانتظمت الأمور ، واندفعت الشّرور ، وانعدم الجور ، وإنّني لأتمنّى أن يتسمّتها هذا السّلطان ووزيره ؛ لتثلج الصّدور ، وتبرد الخواطر ، وتبقى على انعقادها بمحبّتهم القلوب ؛ إذ لا أنصر للسّلطان من أفئدة تمتلئ بودّه ، وألسنة تهتف بشكره ، وفّقنا اللّه وإيّاهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين . ولقد كانت الحكومة القعيطيّة في أيّام السّيّد حسين بن حامد أحبّ من جهة إلى النّاس منها اليوم ، لا لأمن ينبسط ، ولا لعدل ينتشر ، ولا لخير يعمّ ، ولا لشرّ يندفع ، ولا لعطاء يرجى ، ولا لسيوف تخشى ، ولكن لخصلة واحدة ، وهي : جبر القلوب ، وأخذ الخواطر ، وحلاوة اللّسان ، والمقابلة بالتّرحيب والمعانقة ، وإن
--> ( 1 ) هو أحد ملوك الفرس ، عرف بالحكمة ، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد . « دائرة المعارف » ( 1 / 161 ) . ( 2 ) تقيّل فلان أباه : نزع إليه في الشّبه ، والمقصود هنا : سار على نهجه شبرا بشبر ، وذراعا بذراع . ( 3 ) وممّا يروى في هذا أنّ رجلا كلّم زيادا في حاجة وجعل يتعرّف إليه ويظنّ أنّ زيادا لا يعرفه ، فقال : أنا فلان بن فلان ، فتبسّم زياد وقال له : أتتعرف إليّ وأنا أعرف بك منك بنفسك ؟ ! ! واللّه إنّي لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمّك وأعرف جدّك وجدّتك ، وأعرف هذه البردة الّتي عليك ، وهي لفلان ، وقد أعارك إيّاها . فبهت الرّجل وارتعد حتّى كاد يغشى عليه .