عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

189

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

برجل . . طرت فيها بجناح ) ، فكان ما كان ، إلّا أنّه تنازل لهم عن أكثر ممّا التزمه « 1 » . ولقد كان السّلطان الكثيريّ - مع نزول درجته عنه وصغر مملكته بتفاوت عظيم - لا يزال ينازعهم ، وقلّما يشتدّ في أمر إلّا وافقوه عليه ، فتراه يتحمّل مع اتّساع ملكه ما لا يتحمّله الكثيريّ ، والسّلطان صالح محبوب عند النّاس ، مفدّى بالأرواح من سائر الأجناس : هو الملك الّذي جمعت عليه * على قدر محبّات العباد تولّته القلوب وبايعته * بإخلاص النّصيحة والوداد « 2 »

--> ( 1 ) الاستشارة البريطانيّة وأسبابها : كشف السّيّد العلّامة ، السّياسيّ المحنّك : حامد بن أبي بكر بن حسين المحضار في كتابه « حياة السّيّد الزّعيم » عن أسباب خفيّة قد لا يعلمها كثير من النّاس ، حول قبول السّلطان صالح للمستشار الإنكليزيّ ، وجعل أكبر الأسباب هو رغبة السّلطان صالح الجامحة في إقصاء ابن عمّه : محمّد ابن السّلطان عمر من السّلطة ، وخوفه من مجيئه إلى المكلّا بين الفينة والأخرى ، فلمّا طلب من حاكم عدن أن يلغي حقّ ابن عمه من السّلطة - مخالفا بذلك وصيّة جدّه عوض بن عمر - رحّب الحاكم بذلك ، لكن شرط عليه قبول الاستشارة . . فأجابه على مضض . ويزيد على هذا ما تقدم نقله عن الشيخ الناخبي ، ولا منافاة ولا معارضة بين القولين لجواز وقوع كل منهما . وأنقل هنا نصّ كلام السّيّد المحضار ؛ لما فيه من الفذلكة التّاريخيّة ، قال رحمه اللّه : ( ولمّا توفّي السّلطان عمر . . تولّى السّلطان صالح ، ولم يواجه أيّ معارضة من أبناء عمّه ، ولكنّه جعل همّه الأوّل أن يحرم ابن عمّه الأمير محمّد بن عمر من ولاية العهد ؛ ليكون ابنه الأمير عوض بن صالح وليّا لعهد أبيه ، فنكث عهده ، وأخلف وعده ، ثمّ ساوم الإنكليز على قبولهم ابنه وليّ عهد للسّلطنة بعده ، واعترافهم به وإلغاء ولاية ابن عمّه الأمير محمّد بن عمر ، خلافا لمّا قرّره مؤسّس السّلطنة الأوّل ، وخلافا لما أجمع عليه هو وعمّه السّلطان عمر ووزيرهم المحضار ورجال دولتهم . ولم يوافق الإنكليز على ذلك إلّا بشرط أن يقبل السّلطان صالح مستشارا إنكليزيّا مقيما في عاصمة السّلطنة ، على أن يكون للمستشار البتّ في كلّ أمور السّلطنة ، وليس للسّلطان أن يتعاطى أمرا ولا نهيا إلّا بموافقة المستشار الإنكليزيّ ، على أن تصدر الأوامر والنّواهي باسم السّلطان صالح ، وقبل السّلطان صالح المستشار الّذي أصبح هو المتصرّف المطلق في أمور السّلطنة القعيطية ، وبذلك دفع السّلطان صالح ثمن حرمان ابن عمّه من ولاية العهد لينصّب ولده وليا للعهد ثمنا عاليا غاليا جدّا ، هو في نظرنا أعلى وأغلى من ولاية السّلطان صالح نفسه ، فضلا عن ولاية ابنه لولاية العهد ، ولقد تمّ كلّ ذلك رغم كلّ العهود والوعود والشّهود ، واليوم الموعود ، وكانت عاقبة أمره خسرا ) اه « السّيّد الزّعيم » ( 85 ) . ( 2 ) البيتان من الوافر ، وهما للبحتري في « ديوانه » ( 1 / 119 ) .