لسان الدين ابن الخطيب
20
الإحاطة في أخبار غرناطة
ومن الطارئين وغيرهم عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن فتح ابن سبعين العكّي « 1 » مرسي ، رقوطي « 2 » الأصل ، سكن بآخرة مكّة ، يكنى أبا محمد ، ويعرف بابن سبعين . حاله : قال ابن عبد الملك « 3 » : درس العربية والأدب بالأندلس ، عند جماعة من شيوخها . ثم انتقل إلى سبتة ، وانتحل التصوف ، بإشارة بعض أصحابه ، وعكف برهة على مطالعة كتبه ، وتعرّض بعد لإسماعها ، والتكلّم على بعض معانيها ، فمالت إليه العامة ، وغشيت محلّه . ثم فصل عن سبتة ، وتجوّل في بلاد المغرب منقطعا إلى طريقة التصوف ، داعيا إليها ، محرّضا عليها . ثم رحل إلى المشرق ، وحجّ حججا ، وشاع ذكره ، وعظم صيته هنالك ، وكثر أتباعه على مذهبه الذي يدعو إليه من التصوف نحلة ، ارتسموا بها من غير تحصيل لها ، وصنّف في ذلك أوضاعا كثيرة ، تلقّوها منه ، وتقلّدوها عنه ، وبثّوها في البلاد شرقا وغربا ، ولا يخلو أحد منها بطايل ، وهي إلى وساوس المخبولين ، وهذيان الممروضين أقرب منها إلى منازع أهل العلم ، ولفظه غير ما بلد وصقع ، لما كان يرمى به من بلايا اللّه أعلم بحقيقتها ، وهو المطلع على سريرته فيها . وكان حسن الأخلاق ، صبورا على الأذى ، آية في الإيثار ، أبدع الناس خطّا . وقال أبو العباس الغبريني في كتاب « عنوان الدّراية » « 4 » عند ذكره : وله علم وحكمة ومعرفة ، ونباهة وبلاغة وفصاحة . ورحل إلى العدوة ، وسكن بجاية مدة ، ولقيه من أصحابنا ناس « 5 » كثير ، وأخذوا عنه ، وانتفعوا به في فنون خاصة له ، مشاركة في معقول العلوم ومنقولها ، ووجاهة لسان ، وطلاقة قلم ، وفهم جنان « 6 » ،
--> ( 1 ) ترجمة ابن سبعين في فوات الوفيات ( ج 2 ص 253 ) والبداية والنهاية ( ج 13 ص 261 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 407 ) ومقدمة كتاب « رسائل ابن سبعين » بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي . ( 2 ) نسبة إلى رقوطة Ricate وهي بلدة قريبة من مرسية . البداية والنهاية ( ج 13 ص 261 ) . ( 3 ) نص ابن عبد الملك في نفح الطيب ( ج 2 ص 407 ) وفيه بعض اختلاف عما هنا . ( 4 ) عنوان الدراية ( ص 139 - 140 ونفح الطيب ( ج 2 ص 414 ) . ( 5 ) في عنوان الدراية : « أناس » . وفي النفح : « ولقي من أصحابنا ناسا . . . » . ( 6 ) الجنان ، بالفتح : القلب . مختار الصحاح ( جنن ) .