لسان الدين ابن الخطيب
21
الإحاطة في أخبار غرناطة
وهو آخر « 1 » الفضلاء ، وله أتباع كثيرة من الفقراء ، ومن عامّة الناس ، وله موضوعات كثيرة ، موجودة بأيدي الناس « 2 » ، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد « 3 » . وله تسميات مخصوصات « 4 » في كتبه ، هي نوع من الرّموز . وله تسميات ظاهرة كالأسامي المعهودة ، وله شعر في التحقيق ، وفي مراقي أهل الطريق ، وكتابته مستحسنة في طريقة « 5 » الأدباء . وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت اللّه الحرام ، والتزامه الاعتمار على الدوام ، وحجّته « 6 » مع الحجاج في كل عام ، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام . ولقد مشى به للمغاربة بحظّ في الحرم الشريف ، لم يكن لهم في غير مدّته . وكان أصحاب « 7 » مكة ، شرّفها اللّه ، يهتدون بأفعاله ، ويعتمدون على مقاله . قلت « 8 » : وأغراض الناس في هذا الرجل متباينة ، بعيدة عن الاعتدال ، فمنهم الموهن « 9 » المكفّر ، ومنهم المقلّد المعظّم ، وحصل لطرفي هذين الاعتقادين من الشهرة والذّياع ما لم يقع لغيره . والذي يقرب من الحق ، أنه كان من أبناء الأصالة ببلده ، وولّي أبوه خطّة المدينة ، وبيته نبيه ، ونشأ ترفا مبجّلا ، في ظل جاه ، وعزّ نعمة ، لم تفارق معها نفسه البلد . ثم قرأ وشدا ، ونظر في العلوم العقلية ، وأخذ التحقيق عن أبي إسحاق بن دهاق ، وبرع في طريقة الشّوذية « 10 » ، وتجرّد واشتهر ، وعظم أتباعه ، وكان وسيما جميلا ، ملوكي البزّة ، عزيز النفس ، قليل التصنع ، يتولّى خدمته الكثير من الفقراء السّفارة ، أولي العبا والدقاقيس ، ويحفون به في السّكك ، فلا يعدم ناقدا ، ولا يفقد متحاملا . ولما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء زيّا وانتباذا ونحلة وصحبة واصطلاحا ، كثر عليه التأويل ، ووجهت لألفاظه المعاريض ، وفلّيت موضوعاته ، وتعاورته الوحشة ، ولقيه فحول من منتابي تلك النّحلة ، قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك والاضطلاع ، والخوض في بحار تلك الأغراض . وساءت منه لهم في الملاطفة السيرة ، فانصرفوا عنه مكظومين « 11 » يندّرون في الآفاق عليه من سوء القيلة ، ما لا شيء فوقه . ورحل إلى المشرق ، وجرت بينه وبين الكثير من أعلامه خطوب . ثم نزل مكة ، شرفها اللّه تعالى ، واختارها قرارا ، وتلمذ له أميرها ، فبلغ من
--> ( 1 ) في النفح : « وهو أحد العلماء الفضلاء » . ( 2 ) في النفح : « أصحابه » . ( 3 ) في الأصل : « أبي جاد » ، والتصويب من النفح . ( 4 ) في النفح : « مخصوصة » . ( 5 ) في النفح : « طريق » . ( 6 ) في النفح : « وحجّه » . ( 7 ) في النفح : « أهل » . ( 8 ) قارن بنفح الطيب ( ج 2 ص 407 ، 413 - 414 ) . ( 9 ) في النفح : « المرهق » . ( 10 ) الشوذية : هم متصوفة . ( 11 ) في النفح : « مكلومين » .