لسان الدين ابن الخطيب
19
الإحاطة في أخبار غرناطة
المركبين على أن يخرج كل واحد منهما قاربه إلى البرّ ، فمن سبق قاربه إليه دخل عنده . ونزل في منصرفه ببجانة « 1 » وسكنها إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين . عبد المنعم بن علي بن عبد المنعم بن إبراهيم ابن سدراي بن طفيل يكنى أبا العرب ، ويشهر بالحاج ، ويدعى بكنيته . حاله : كان عالما فاضلا صالحا ، منقطعا متبتّلا ، بارع الخطّ ، مجتهدا في العبادة ، صاحب مكاشفات وكرامات . نبذ الدنيا وراء ظهره ، ولم يتلبّس منها بشيء ، ولا اكتسب مالا ولا زوجة ، وورث عن أبيه مالا خرج عن جميعه ، وقطع زمن فتائه في السّياحة وخدمة الصالحين ، وزمان شيخوخته في العزلة والمراقبة والتزام الخلوة . ورحل إلى الحج ، وقرأ بالمشرق ، وخدم مشايخ من الصالحين ، منهم الفخر الفارسي ، وأبو عبد اللّه القرطبي وغيرهما ، وكان كثير الإقامة بالعدوة ، وفشا أمره عند ملوكها ، فكانوا يزورونه ، ويتبرّكون به ، فيعرض عنهم ، وهو أعظم الأسباب في جواز أهل المغرب لنصرة من بالأندلس في أول الدولة النّصرية ، إذ كان الرّوم قد طمعوا في استخلاصها ، فكان يحرّض على ذلك ، حتى عزم صاحب العدوة على الجواز ، وأخذ في الحركة بعد استدعاء سلطان « 2 » الأندلس إياه ، وعندما تعرّف يغمور بن زيّان ، ملك تلمسان ، ذلك كله على بلاده بما منع من الحركة ، فخاطبه الحاج أبو العرب مخاطبته المشهورة التي كفّت عدوانه ، واقتصرته عما ذهب إليه . وكان حيّا في صفر عام ثلاثة وستين وستمائة ، وهو تاريخ مخاطبته أبا يحيى يغمور بن زيان .
--> ( 1 ) في الأصل : « ببجاية » ، وقد صوّبنا الخطأ ؛ لأن بجاية أول من اختطّها هو الناصر بن علناس بن حماد بن زيري بن مناد بن بلكين ، في حدود سنة 457 ه ، وهي مدينة على ساحل البحر بين إفريقيا والمغرب . معجم البلدان ( ج 1 ص 439 ) . وبجانة مدينة بالأندلس من أعمال كورة إلبيرة . معجم البلدان ( ج 1 ص 439 ) . ( 2 ) أغلب الظن أنه أبو عبد اللّه الغالب بالله محمد بن يوسف ، أول سلاطين بني نصر بغرناطة ( 635 - 671 ه ) . اللمحة البدرية ( ص 42 ) .