لسان الدين ابن الخطيب
9
الإحاطة في أخبار غرناطة
ولمّا جدّ به البين ، وحلّ هذه البلاد « 1 » بحال تقبحها العين ، والسيف بهزّته ، لا بحسن بزّته ، دعوته « 2 » إلى مجلس أعاره البدر هالته ، وخلع عليه الأصيل غلالته ، وروض تفتّح كمامه ، وهمى عليه غمامه ، وكأس أنس تدور ، فتتلقّى نجومها البدور . فلمّا ذهبت المؤانسة بخجله ، وتذكّر هواه ويوم نواه حتّى خفنا حلول أجله ، جذبنا للمؤانسة زمامه ، واستقينا « 3 » منها غمامه ، فأمتع وأحسب ، ونظر ونسب ، وتكلّم في المسائل ، وحضر « 4 » بطرف الأبيات وعيون الرسائل ، حتى نشر الصباح رايته ، وأطلع النهار آيته . ومما أنشدنا ونسب لنفسه « 5 » : [ الوافر ] غرامي فيك جلّ عن القياس * وقد أسقيتنيه بكل كأس ولا أنسى هواك ولو جفاني * عليك أقاربي طرّا وناسي ولا أدري لنفسي من كمال * سوى أنّي لعهدك غير ناس وقال في غرض معروف « 6 » : [ الطويل ] بعثت بخمر فيه ماء وإنّما * بعثت بماء « 7 » فيه رائحة الخمر فقلّ عليه الشكر إذ قلّ سكرنا * فنحن بلا سكر وأنت بلا شكر ومما خاطبني به « 8 » : [ البسيط ] رحماك بي فلقد خلّدت في خلدي * هوى أكابد منه حرّة « 9 » الكبد حللت عقد سلوّي في « 10 » فؤادي إذ * حللت منه محلّ الروح في « 11 » جسدي مرآك بدري وذكراك التذاذ فمي * ودين حبّك إضماري ومعتقدي ومن جمالك نور لاح في بصري * ومن ودادك روح حلّ في خلدي لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبرا « 12 » * فقبل حبّك كان الصبر طوع يدي وهاك جسمي قد أودى النّحول به * فلو طلبت وجودا منه لم تجد
--> ( 1 ) في النفح : « البلدة » . ( 2 ) في النفح : « دعوناه » . ( 3 ) في النفح : « واستسقينا » . ( 4 ) في النفح : « وحاضر » . ( 5 ) في النفح : « فممّا نسبه إلى نفسه وأنشدناه قوله » . ( 6 ) اكتفى في النفح بالقول : « وقال » . ( 7 ) في الأصل : « بما » وهكذا ينكسر الوزن ، والتصويب من النفح . ( 8 ) القصيدة في نفح الطيب ( ج 8 ص 225 - 226 ) . ( 9 ) في النفح : « حرقة » . ( 10 ) في النفح : « عن » . ( 11 ) في النفح : « من » . ( 12 ) في الأصل : « مصطبر » . والتصويب من النفح .