لسان الدين ابن الخطيب

77

الإحاطة في أخبار غرناطة

عليه بتلمسان أمراؤها المتوثّبون عليها في هذه الفترة من بني زيّان ، إرضاء لقبيلهم المتّهم بمداخلته ، وقد رحل عنهم دسيسا من أميرهم عثمان بن يحيى بن عبد الرحمن بن يغمراسن ، فصرف مأخوذا عليه طريقه ، منتهبا رحله ، منتهكة حرمته ، وأسكن قرارة مطبق عميق القعر ، مقفل المسلك ، حريز القفل ، ثاني اثنين . ولأيام قتل ثانيه ذبحا بمقربة من شفى تلك الرّكيّة ، وانقطع لشدّة الثّقاف « 1 » أثره ، وأيقن الناس بفوات الأمر فيه . ولزمان من محنته ظهرت عليه بركة سلفه في خبر ينظر بطرفه إلى الكرامة ، فنجا ولا تسل كيف ، وخلّصه اللّه خلاصا جميلا ، وقدم على الأندلس ، واللّه ينفعه بمحنته « 2 » . شعره ، وما وقع من المكاتبة بيني وبينه : ركب « 3 » مع السلطان خارج « 4 » الحمراء ، أيام ضربت اللّوز قبابها البيض ، وزيّنت الفحص العريض ، والرّوض الأريض « 5 » ، فارتجل في ذلك : [ الكامل ] انظر إلى النّوار في أغصانه * يحكي النجوم إذا تبدّت في الحلك حيّا أمير المسلمين وقال : قد * عميت بصيرة من بغيرك مثّلك « 6 » يا يوسفا حزت الجمال بأسره * فمحاسن الأيام تومي هيت لك « 7 » أنت الذي صعدت به أوصافه * فيقال فيه : ذا مليك أو ملك « 8 » ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة ، خاطبني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه « 9 » : [ الكامل ] يا قادما وافى بكلّ نجاح * أبشر بما تلقاه من أفراح هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها * تنل المنى وتفز بكلّ سماح مغنى الإمام أبي عنان يمّمن * تظفر ببحر في العلى طفّاح

--> ( 1 ) قوله : « لشدّة الثقاف » غير وارد في النفح . ( 2 ) في النفح : « بنيّته » . ( 3 ) النص في نفح الطيب ( ج 7 ص 372 ) . ( 4 ) في النفح : « بخارج » . ( 5 ) الأريض : الكثير العشب . لسان العرب ( أرض ) . ( 6 ) مثّلك : زعم أن لك مثيلا . لسان العرب ( مثل ) . ( 7 ) هيت لك : اسم فعل أمر بمعنى هلمّ وتعال ؛ يقول سبحانه وتعالى : وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ سورة يوسف 12 ، الآية 23 . ( 8 ) أخذه من قول اللّه تعالى : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ سورة يوسف 12 ، الآية 31 . ( 9 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 8 ص 198 - 199 ) .