لسان الدين ابن الخطيب

69

الإحاطة في أخبار غرناطة

حاله : كان ، رحمه اللّه ، أحد الظرفاء من أهل بلده ، مليح الشكل ، حسن الشّيبة ، لوذعيا في وقار ، رشيق النظم والنثر ، غزلا مع الصّون ، كثير الدّعابة من غير إفحاش ، غزير الأدب ، حسن الصّوت ، رائق الخطّ ، بديع الوراقة ، معسول الألفاظ ، ممتع المجالسة ، طيّب العشرة ، أدّب الصّبيان مدة ، وعقد الشروط أخرى ، وكان يقرأ كتب الحديث والتفسير والرّقائق للعامة بالمسجد الأعظم ، بأعذب نغمة ، وأمثل طريقة ، مذ أزيد من ثلاثين سنة ، لم يخل منها وقتا إلّا ليلتين ، إحداهما بسبب امتساكنا به في نزهة برياض بعض الطلبة ، لم يخلف مثله بعده . وخطب بقصبة مالقة ، ومال أخيرا إلى نظر الطّب ، فكان الناس يميلون إليه ، وينتفعون به لسياغ مشاركته ، وعموم انقياده ، وبرّه ، وعمله على التّودّد والتّجمّل . وجرى ذكره في « التّاج المحلّى » بما نصّه « 1 » : مجموع أدوات حسان ، من خطّ ونغمة ولسان ، أوراقه « 2 » روض تتضوّع نسماته ، وبشره صبح تتألّق قسماته ، ولا تخفى « 3 » سماته . يقرطس أغراض الدّعابة ويصميها ، ويفوّق سهام الفكاهة إلى مراميها ، فكلّما صدرت في عصره قصيدة هازلة ، أو أبيات منحطّة عن الإجادة نازلة ، خمّس أبياتها وذيّلها ، وصرف معانيها وسهّلها « 4 » ، وتركها سمر النّدمان ، وأضحوكة الزمان « 5 » . وهو الآن خطيب المسجد الأعلى من مالقة « 6 » ، متحلّ بوقار وسكينة ، حالّ من أهلها بمكانة مكينة ، لسهولة جانبه ، واتّضاح مقاصده في الخير ومذاهبه . واشتغل لأوّل أمره بالتّعليم « 7 » والتّكتيب ، وبلغ الغاية في الوقار « 8 » والتّرتيب ، والشّباب « 9 » لم ينصل خضابه ، ولا سلّت للمشيب عضابه ، ونفسه بالمحاسن كلفة صبّة « 10 » ، وشأنه كله هوى ومحبّة ، ولذلك ما خاطبه به بعض أودّائه « 11 » ، وكلاهما رمى أهله بدائه ، حسبما يأتي خلال هذا القول « 12 » وفي أثنائه ، بحول اللّه .

--> ( 1 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 230 ) وبعضه في الكتيبة الكامنة ( ص 59 - 60 ) . ( 2 ) في المصدرين : « أخلاقه » . ( 3 ) في الأصل : « يخفى » والتصويب من المصدرين . ( 4 ) في النفح : « وسيّلها » . ( 5 ) في النفح : « الأزمان » . ( 6 ) في المصدر نفسه : « بمالقة » . ( 7 ) في النفح : « أمره بالتكتيب » . ( 8 ) في النفح : « في التعليم والترتيب » . ( 9 ) في الأصل : « وللشباب » والتصويب من النفح . ( 10 ) كلمة « صبّة » ساقطة في الأصل . ( 11 ) الأودّاء : جمع ودود وهو المحب . لسان العرب ( ودد ) . ( 12 ) في الأصل : « المقول » والتصويب من النفح .