لسان الدين ابن الخطيب

65

الإحاطة في أخبار غرناطة

يخاطب المجد عنها * للقلب « 1 » تدني شكرا واستوطن مدينة شريش ، وقرأ بها ، وروى بها عن علمائها ، وأقرأ بها ، ولمّا استولى العدوّ عليها لحق بالجزيرة الخضراء ، فدرّس بها ، ثم عبر البحر إلى سبتة ، فقرأ بها وروّى . ثم كرّ إلى الأندلس ، فقصد غرناطة ، وأخذ عن أهلها . ثم استوطن مالقة ، وتصدّر للإقراء بها ؛ مفيد التعليم ، متفنّنه ، من فقه وعربية وقراءات وأدب وحديث ، عظيم الصبر ، مستغرق الوقت . يدرس من لدن صلاة الصبح إلى الزّوال . ثم يسند ظهره إلى طاق المسجد بعد ذلك ، فيقرىء ، وتأتيه النساء من خلفه للفتيا ، فيفتيهنّ على حال سؤالاتهنّ إلى نصف ما بين العصر والعشاء الأولى . ثم يأتي المسجد الأعظم بعد الغروب ، فيقعد للفتيا إلى العشاء الآخرة ، من غير أن يقبل من أحد شيئا . ومن أخذ منه بعد تحكيم الورع ، أثابه بمثله ، ما رئي في وقته أورع منه . وكان يتّخذ روميّة مملوكة ، لا يشتمل منزله على سواها ، فإذا أنس منها الضّجر للحصر وتمادى الحجاب ، أعتقها ، وأصحبها إلى أرضها . ونشأت بينه وبين فقهاء بلده خصومة في أمور عدّوها عليه ، مما ارتكبها اجتهاده في مناط الفتوى ، وعقد لهم أمير المسلمين بالأندلس مجلسا أجلى عن ظهوره فيه ، وبقاء رسمه ، فكانت محنة ، وخلّصه اللّه منها . وبلغ من تعظيم الناس إيّاه ، وانحياشهم إليه ، مبلغا لم ينله مثله ، وانتفع بتعليمه ، واستفيد منه الأدب على نسكه وسذاجته . مشيخته : قرأ ببلده شريش على المكتّب الحاج أبي محمد عبد اللّه بن أبي بكر بن داود القيسي ، وعلى الأستاذ أبي بكر محمد بن محمد بن الرّياح ، وعلى الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم بن حكيم السّكوني الكرماني ؛ أخذ عنه العربية والأدب ، وعلى الحافظ أبي الحسن علي بن عيسى ، المعروف بابن متيوان ، وعلى الأصولي الكاتب أبي الحسن هلال بن أبي سنان الأزدي المرّاكشي ، وعلى الخطيب أبي العرب إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري ، وعلى الفقيه أبي عبد اللّه الجنيدي ، المعروف بالغرّاق ، وعلى الفقيه العددي أبي عبد اللّه محمد بن علي بن يوسف ، المعروف بابن الكاتب المكناسي . وقرأ بالجزيرة الخضراء على الخطيب الصالح أبي محمد الرّكبي ، وروى عنه ، وقرأ بها على الخطيب أبي عبيد اللّه بن خميس ، وعلى الأصولي أبي أميّة . وقرأ بسبتة على الأستاذ الفرضي إمام النحاة أبي الحسن بن أبي الربيع ، وعلى أبي يعقوب المحبساني ، وعلى المحدّث أبي عمرو عثمان بن عبد اللّه

--> ( 1 ) في الأصل : « لقلب » وكذا ينكسر الوزن .