لسان الدين ابن الخطيب
409
الإحاطة في أخبار غرناطة
حاله : كان صبيّا ظاهر السكون والأدب ، في سنّ المراهقة ، لم ينشب أن نازله جيش عدوّه . ومالأه أهل البلد ، وأخذ من معه لأنفسهم وله الأمان ، فنزل عنها ولحق بالأندلس . قال في كتاب « طرفة العصر » : وفي ليلة العاشر من شهر ربيع الأول اثنين وخمسين وسبعمائة ، اتّصل الخبر من جهة الساحل ، بنزول الأمير عبد الحق ابن أمير المسلمين أبي الحسن ومن معه ، بساحل شلوبانية « 1 » ، مفلتين من دهق الشّدة ، بما كان من منازلة جيش بني زيّان مدينة الجزائر ، وقيام أهلها بدعوتهم ، لما سموه من المطاولة ، ونهكهم من الفتنة ، وامتنع الأمير ومن معه بقصبتها ، وأخذوا لأنفسهم عهدا ، فنزلوا وركبوا البحر ، فرافقتهم السّلامة ، وشملهم ستر العصمة . ولحين اتصل بالسلطان خبره ، بادر إليه بمركبين ثقيلي الحلية ، وما يناسب ذلك من بزّة ، وعجّل من خدامه بمن يقوم ببرّه ، وأصحبه إلى منزل كرامته . ولرابع يوم من وصوله كان قدومه ، وبرز له السلطان بروزا فخما ، ونزل له ، قارضا إياه أحسن القرض ؛ بما أسلفه من يد ، وأسداه من طول . وأقام ضيفا في جواره ، إلى أن استدعاه أخوه ملك المغرب ، فانصرف عن رضى منه ، ولم ينشب أن هلك مغتالا في جملة أرداهم الترشيح . عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني « 2 » يكنى أبا ملك « 3 » . وبيته في الموحّدين الملوك بتونس . وأبوه سلطان إفريقية ، المترقّي إليها من رتبة الشّياخة الموحدية . حاله : كان رجلا طوالا نحيفا ، فاضلا حسيبا ، مقيما للرّسوم الحسبيّة ، حسن العشرة ، معتدل الطّريقة . نشأ بالبلاد المشرقية ، ثم اتصل بوطنه إفريقية ، وتقلّد الإمارة بها برهة يسيرة ، ثم فرّ عنها ولحق بالمغرب ، وجاز إلى الأندلس ، وقدم على سلطانها ، فرحّب به ، وقابله بالبرّ ، ونوّه محلّه ، وأطلق جرايته ، ثم ارتحل أدراجه إلى العدوة ، ووقعت بيني وبينه صحبة ، وأنشدته عند وداعه « 4 » : [ المتقارب ] أبا ملك ، أنت نجل الملوك * غيوث النّدى وليوث النزال ومثلك يرتاح للمكرمات * وما لك بين الورى من مثال
--> ( 1 ) شلوبانية أو شلوبينية : بالإسبانية : salobrena ، وهي قرية على ضفة البحر ، بينها وبين المنكب عشرة أميال ، يجود فيها الموز وقصب السكر . الروض المعطار ( ص 343 ) . ( 2 ) أخبار عبد الواحد بن زكريا في نفح الطيب ( ج 9 ص 196 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 261 ) . ( 3 ) في المصدرين السابقين : « أبا مالك » . ( 4 ) الأبيات في نفح الطيب ( ج 9 ص 196 - 197 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 261 - 262 ) .