لسان الدين ابن الخطيب

310

الإحاطة في أخبار غرناطة

متيقّظا ، متوقّد الذهن ، كريم الخلال ، حميد العشرة ، دمثا ، متواضعا ، حسن الخلق ، محبّبا إلى الناس ، نزيه النفس ، جميل الهيئة ، وقورا ، معظّما عند الخاصة والعامة ، ديّنا ، زاهدا ، ورعا ، فاضلا ، نحويا ماهرا ، ريّان من الأدب ، قائلا الجيّد من الشعر ، مقصدا ومقطعا . وكان له بجامع مالقة الأعظم مجلس عام ، سوى مجلس تدريسه ، يتكلم فيه على الحديث ، إسنادا ومتنا ، بطريقة عجز « 1 » عنها الكثير من أكابر أهل زمانه . وتصدّر للإقراء ابن عشرين سنة « 2 » . من أخباره في العلم والذكاء : قالوا : قرىء « 3 » عليه يوما باب الابتداء بالكلم التي يلفظ بها في « 4 » إيضاح الفارسي ، وكان أحسن الناس قياما عليه ، فتكلّم على المسألة الواقعة في ذلك الباب ، المتعلقة بعلم العروض ، وكان في الحاضرين من أحسن « 5 » صناعته ، فجاذبه الكلام « 6 » ، وضايقه في « 7 » المباحثة ، حتى أحسّ الأستاذ من نفسه التّقصير ، إذ لم يكن له قبل كبير نظر في العروض ، فكفّ عن الخوض في المسألة ، وانصرف إلى منزله ، وعكف سائر اليوم « 8 » على تصفّح علم العروض حتى فهم أغراضه ، وحصّل تواليفه « 9 » ، وصنّف فيه مختصرا نبيلا لخّص في صدره ضروبه « 10 » ، وأبدع فيه بنظم مثله ، وجاء به من الغد ، معجزا من رآه أو سمع به ، فبهت الحاضرون وقضوا العجب من اقتداره وذكائه ، ونفوذ فهمه ، وسموّ همّته . ومن أخباره في الدّين : قال أبو أحمد جعفر بن زعرور العاملي المالقي ، تلميذه الأخصّ به : بتّ معه ليلة في دويرته التي كانت له بجبل فاره « 11 » للإقراء والمطالعة ، فقام ساعة كنت فيها يقظانا « 12 » ، وهو ضاحك مسرور ، يشدّ يده كأنّه ظفر بشيء نفيس ، فسألته فقال : رأيت كأن الناس قد حشروا في العرض على اللّه ، وأتي بالمحدّثين ، وكنت أرى أبا عبد اللّه النّميري يؤتى به ، فيوقف بين يدي اللّه تعالى ،

--> ( 1 ) في الذيل والتكملة : « أعجز » . ( 2 ) في الذيل والتكملة : « سنة أو نحوها » . ( 3 ) النص في الذيل والتكملة ( ج 4 ص 196 ) . ( 4 ) في الذيل والتكملة : « من » . ( 5 ) في الذيل والتكملة : « أحكم صناعة العروض » . ( 6 ) في الذيل والتكملة : « الكلام في المسألة » . ( 7 ) كلمة « في » ساقطة في الأصل ، وقد أضفناها من الذيل والتكملة . ( 8 ) في الذيل والتكملة : « يومه » . ( 9 ) في المصدر السابق : « قوانينه » . ( 10 ) في المصدر السابق : « فرشه » . ( 11 ) جبل فاره : بالإسبانية gibralfaro ، يعلو مدينة مالقة . نزهة المشتاق ( ص 570 ) . ( 12 ) الصواب نحويا : « يقظان » ؛ لأنها ممنوعة من الصرف .