لسان الدين ابن الخطيب
292
الإحاطة في أخبار غرناطة
ستين وستمائة ، نازله السلطان الغالب بالله صهره ، وأعيا عليه أمر مالقة ، لاضطلاع هذا الرئيس بأمره ، وضبط من لنظره ، واستمساكه بعروة حزمه . وفي بعض الأيام ركب السلطان في ثلاثة من مماليكه ، متخفّيا ، كاتما غرضه ، وقعد بباب المدينة ، فلمّا بصر به الرجال القائمون به ، هالهم الأمر ، وأدهشتهم الهيبة ، فأفرجوا له ، موقّرين لجلاله ، آنسين لقلّة أتباعه ، فدخل ، وقصد القصبة ، وقد نذر به الرئيس أبو محمد ، فبادر إليه راجلا ، متبذّلا ، مهرولا ، حافيا . ولمّا دنا منه ترامى على رجليه يقبّلهما ، إظهارا لحقّ أبوّته ، وتعظيما لقدره ، ودخل معه إلى بنته وحفدته ، فترامى الجميع على أطرافه يلثمونها ، ويتعلّقون بأذياله وأدرانه ، وهو يبكي إظهارا للشّفقة والمودّة وتكلّم الجميل . وأقام معهم بياض يومه ، ثم انصرف إلى محلّته ، وأتبعه الرئيس ، فأمره بالاستمساك بقصبته وملازمة محلّ إمرته ، وما لبث أن شرع في الارتحال عن ألطاف ومهادات ، وتقدير جرايات ، وإحكام هديّة ، وتقرير إمارة ، إلى أن توفي السلطان ، رحمه اللّه ، فعادت الفتنة جزعة ، ووالى ولده أمير المسلمين بعده الضرب على مالقة ، إلى أن هلك الرئيس أبو محمد ، واستقرّ بالأمور ولده المذكور في المحمّدين ، وكان من الأمر ما ينظره في مكانه من أراد استيفاءه ، بحول اللّه . عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن محمد العزفي يكنى أبا طالب ، الرئيس الفقيه ، الكبير الشّهير ، صاحب الأمر والرّئاسة والإمارة بسبتة ، نيابة عن أخيه الرئيس الصّالح أبي حاتم ، بحكم الاستقلال في ذلك ، والاستبداد التّام ، من غير مطالعة لأخيه ولا رجوع إليه في شيء من الأمور ، ولا تشوّف من أخيه إلى ذلك ، لخروجه البتّة عنه ، وإيثاره العزلة ، واشتغاله بنفسه . حاله : قد تقدم من ذكر أوّليته ما فيه كفاية . وكان من أهل الجلالة والصّيانة ، وطهارة النّشأة ، حافظا للحديث ، ملازما لتلاوة كتاب اللّه ، عارفا بالتاريخ ، عظيم الهيبة ، كبير القدر والصّيت ، عالي الهمّة ، شديد البأو ، معظّما عند الملوك ، جميل الشّارة ، ممتثل الإشارة لديهم ، عجيب السّكينة والوقار ، بعيد المرمى ، شديد الانقباض ، مطاع السّلطان بموضعه ، مرهوب الجانب ، من غير إيقاع بأحد ، ولا هتك حرمة ، محافظا على إقامة الرّسوم الحسبيّة والدّينية . مشيخته : قرأ على الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع وغيره . نكبته : تغلّب على بلده أيام إمارته ، وثار أهله إليه في السّلاح والعدّة ؛ ليحيطوا بمن في القصبة ، فخرج إليهم ، وشكر مساعيهم ، وقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كن