لسان الدين ابن الخطيب
274
الإحاطة في أخبار غرناطة
يتحلّى بخطّة هي به تتحلّى . كيف يهنأ بالقعود لسماع دعوة « 1 » الباطل ، ولمعاناة « 2 » الإنصاف الممطول من الماطل ، والتّعب في المعادلة ، بين ذوي المجادلة . أما لو علم المتشوّقون « 3 » إلى خطّة الأحكام ، المستشرفون إلى ما لها من التّبسّط والاحتكام ، ما يجب لها من اللّوازم ، والشروط الجوازم ، كبسط الكنف ، ورفع الجنف ، والمساواة بين العدوّ وذي الذّنب ، والصاحب بالجنب ، وتقديم ابن السّبيل ، على ذي الرّحم والقبيل ، وإيثار الغريب ، على القريب ، والتوسّع في الأخلاق ، حتى لمن ليس له من خلاق ، إلى غير ذلك ممّا علم قاضي الجماعة أحصاه ، واستعمل لخلقه « 4 » الفاضل أدناه وأقصاه ، لجعلوا خمولهم مأمولهم ، وأضربوا عن ظهورهم « 5 » ، فنبذوه وراء ظهورهم « 6 » ، اللهمّ إلّا من أوتي بسطة في العلم ، ورسا طودا في ساحة الحلم ، وتساوى ميزانه في الحرب والسّلم ، وكان كقاضي الجماعة « 7 » ، في المماثلة بين أجناس الناس ، فقصاراه أن يتقلّد الأحكام للأجر ، لا للتّعسف « 8 » والزّجر ، ويتولّاها للثواب ، لا للغلظة في ردّ الجواب ، ويأخذها لحسن الجزاء ، لا لقبح « 9 » الاستهزاء ، ويلتزمها لجزيل الذّخر ، لا للإزراء والسّخر . فإذا كان كذلك ، وسلك المتوليّ هذا السّالك « 10 » ، وكان كقاضي « 11 » الجماعة ولا مثل له ، ونفع الحقّ به علله ، ونقع غلله ، فيومئذ تهنأ « 12 » به خطّة القضاء ، ويعرف ما للّه عليه « 13 » من اليد البيضاء . ومحاسنه في النثر أيضا جمّة . ومن أخباره « 14 » أنه رحل إلى مرّاكش متسبّبا « 15 » في جهاز بنت بلغت التّزويج ، وقصد دار الإمارة مادحا ، فما تيسّر له شيء من أمله ، ففكّر في خيبة قصده ، وقال : لو كنت تأمّلت « 16 » جهة اللّه ، ومدحت المصطفى « 17 » صلى اللّه عليه وسلم ، وآل بيته الطاهرين ، لبلغت أملي بمحمود عملي . ثم استغفر اللّه « 18 » في توجّهه الأول ، وعلم أن ليس على غير
--> ( 1 ) في المصدرين : « دعاوى » . ( 2 ) في المصدرين : « والمعاناة لإنصاف » . ( 3 ) في المصدرين : « المتشوفون » . ( 4 ) في المصدرين : « خلقه » . ( 5 ) الظهور : مصدر ظهر أي بدا . ( 6 ) الظهور : جمع ظهر . ( 7 ) في النفح : « وكان كمولانا » . ( 8 ) في المصدرين : « لا للتعنيف » . ( 9 ) في النفح : « لقبيح » . ( 10 ) في المصدرين : « هذه المسالك » . ( 11 ) في الذيل : « مثل قاضي » . وفي النفح : « وكان قاضي » . ( 12 ) في المصدرين : « تهنّى » . ( 13 ) في الذيل : « وتعرف بما للّه عليه . . . » . وفي النفح : « وتعرف ما للّه تعالى عليه . . . » . ( 14 ) النص في نفح الطيب ( ج 7 ص 64 ) . ( 15 ) كلمة « متسببا » ساقطة في النفح . ( 16 ) في النفح : « أمّلت اللّه سبحانه » . ( 17 ) في النفح : « نبيّه » . ( 18 ) في النفح : « اللّه من اعتماده في . . . » .