لسان الدين ابن الخطيب

265

الإحاطة في أخبار غرناطة

هذه الآية ؟ فقال : نعم ، فقال : أرى واللّه أن سيشركنا في هذا الأمر العبيد والأراذل والسّفلة . خبره في الجود : قال : كان أبو الأجرب الشاعر « 1 » وقفا على أمداح الصّميل ، وهو القائل : [ الوافر ] بنى لك حاتم بيتا رفيعا * رأيناه على عمد طوال وقد كان ابتنى شمر وعمرو * بيوتا غير ضاحية الظّلال فأنت ابن الأكارم من معدّ * تعلج للأباطح « 2 » والرّمال وقارضه بإجزاله لعطائه وانتمائه في ثوابه ، بأن أغلظ القسم على نفسه بأن لا يراه إلّا أعطاه ما حضره ، فكان أبو الأجرب قد اعتمد اجتنابه في اللقاء حياء منه وإبقاء على ماله ، فكان لا يزوره إلّا في العيدين قاضيا لحقّه . وقد لقيه يوما مواجهة ببعض الطريق ، والصّميل راكب ، ومعه ابناه ، فلم يحضره ما يعطيه ، فأرجل أحد ابنيه ، وأعطاه دابّته ، فضرب في صنعه ، وفيه يقول من قصيدة : [ الكامل ] دون الصّميل شريعة مورودة * لا يستطيع لها العدوّ ورودا فتّ الورى وجمعت أشتات العلا * وحويت مجدا لا ينال وجودا فإذا هلكت فلا تحمّل فارس * سيفا ولا حمل النساء وليدا وكان صاحب أمره ولّاه الأندلس قبل الأمويين ؛ لهم الأسماء وله معنى الإمرة ، وكان مظفّر الحروب ، سديد الرأي ، شهير الموقف ، عظيم الصبر . وأوقع باليمانيّة وقائع كثيرة ، منها وقيعة شقندة ، ولم يكن بالأندلس مثلها ، أثخن فيها القتل باليمانية . أنفته : قال : وكان أبيّا للضّيم ، محاميا عن العشيرة ، كلّم أبا الخطّار الأمير في رجل من قومه انتصر به ، فأفجمه ، وردّ عليه ، فأمر به ، فتعتع ومالت عمامته ، فلمّا خرج قال له بعض من على باب الأمير : يا أبا الجوشن ، ما باب عمامتك مائلة ؟ فقال : إن كان لي قوم فسيقيمونها ، وخرج من ليلته ، فأفسد ملكه .

--> ( 1 ) أبو الأجرب هو جعونة بن الصّمّة الكلابي ، من قدماء شعراء الأندلس ، وترجمته في جذوة المقتبس ( ص 189 ) وبغية الملتمس ( ص 261 ) والمغرب ( ج 1 ص 131 ) . ( 2 ) في الأصل : « تعتلج الأباطح . . . » ، وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى . ويعلج الرجل : يشتدّ .