لسان الدين ابن الخطيب

230

الإحاطة في أخبار غرناطة

وقلت : ما بعثه اللّه إلّا لهلاكي ، وإذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به ، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم وأقتل ، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه وبين أقربهم منه ، عطف عليه كالعقاب ، وطعنه ففطره ، وتخلّص الرمح منه ، ثم حمل على آخر فطعنه ، ومال على الثالث فانهزم منه ، فرجع إليّ ، وقد بهتّ من فعله ، ورشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه ، وقال لي : يا فاعل ، يا صانع ، أتلقي الرّمح ومعك مقاتل الرّيّه ؟ انتهى اختصار السفر الثامن والحمد للّه رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده ومن ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة * * * ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة مومّل بن رجاء بن عكرمة بن رجاء العقيلي من إلبيرة . حاله : كان شيخا مضعوفا يغلب عليه البله ، من أهل التّعيّن والحسب والأصالة ، عريقا في القضاء ، قاض ابن قاض ابن قاض . ولّي قضاء إلبيرة للأمير محمد . من حكاياته : رفعت إليه امرأة كتاب صداقها ، فقال : الصّداق مفسوخ ، وأنتما على حرام ، فافترقا ، فرّق اللّه بينكما . ثم رمى بالصّداق إلى من حوله ، وقال : عجبا لمن يدّعي فقها ولا يعلمه ، أو يزعم أنه يوثّق ولا يتقنه ، مثل أبي فلان وهو في المجلس يكتب هذا الصّداق ، وهو مفسوخ ، ما أحقّه أن يغرّم ما فيه . فدار الصّداق على يدي كل من حضر ، وكل يقول : ما أرى موضع فسخ ، فقال : أنتم أجهل من كاتبه ، لكني أعذركم ؛ لأن كل واحد منكم يستر على صاحبه خطأه ، انظروا وأمنحكم اليوم ، فنظروا فلم يجدوا شيئا يوجب فسخا . فدنا منه محمد بن فطيس الفقيه ، فقال : أصلح اللّه القاضي ، إن اللّه منحك من العلم والفهم ما نحن مقرّون بالعجز عنه ، فأفدنا هذه الفائدة ، فقال : ادن ، فدنا منه ، فقال : أوليس في الصداق : « ولا يمنعها زيارة ذوي محارمها ، ولا يمنعهم زيارتها بالمعروف » ؟ ولولا معرفتي بمحبّتك ما أعلمتك . فشكره الشيخ ، وأخذ بطرف لحيته يجرّه إليه حتى قبّلها ، وكان عظيم اللحية طويلها ، شيمة أهل هذه الطّبقة . قال ابن فطيس : أنا المخصوص بالفائدة ، ولا أعرّف بها إلّا من تأذن بتعريفه إياها ، فتبسّم القاضي معجبا بما رأى ،