لسان الدين ابن الخطيب
229
الإحاطة في أخبار غرناطة
وفاته : في وسط جمادى الأولى من العام « 1 » ، دخل عليه في بيت معتقله فقتل ، ودفن ببعض مدافنهم ، رحمة اللّه عليه . مقاتل بن عطية البرزالي يكنى أبا حرب ، وقال فيه أبو القاسم الغافقي : من أهل غرناطة ، ويلقّب بذي الوزارتين ، ويعرف بالرّيّه « 2 » لحمرة كانت في وجهه . حاله : كان من الفرسان الشجعان ، لا يصطلى بناره ، وكان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال . وولّاه الأمير عبد اللّه بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة « 3 » ، والتقى به ابن عباد وأخذ بمخنّقها ، وكان عبد اللّه يحذره . وعندما تحقّق حركة اللّمتونيين « 4 » إليه ، صرفه عن جهته ، فقلّ لذلك ناصره ، وأسرع ذهاب أمره . شجاعته : قال : وحضر مقاتل مع عبد اللّه بن بلقين ، أمير غرناطة ، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ، فأبلى فيها بلاء عظيما ، وجرح وجهه ، ومزّق درعه بالطّعن والضّرب . وذكر من حضرها ونجا منها ، قال : كنت قد سقط الرمح من يدي ولم أشعر ، وحملت التّرس ولم أعلم به ، وحملني اللّه إلى طريق منجاة فركبتها ، مرّة أقع ومرّة أقوم ، فأدركت فارسا على فرس أدهم ورمحه على عاتقه ، ودرقته على فخذه ، ودرعه مهتّكة بالطّعن ، وبه جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره ، وهو مع ذلك ينهض على رسله ، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا ، فتذكرت التّرس ، فأخرجت حمالته عن عاتقي ، وألقيته عني ، فوجدت خفّة ، وعدت إلى العدوّ ، فصاح ذلك الفارس : خذ التّرس ، قلت : لا حاجة لي به ، فقال : خذه ، فتركته وولّيت مسرعا ، فهمز فرسه ووضع سنان رمحه بين كتفيّ ، وقال : خذ الترس ، وإلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك ، فرأيت الموت الذي فررت منه ، ورجعت إلى التّرس فأخذته ، وأنا أدعو عليه ، وأسرعت عدوا ، فقال لي : « على ما كنت فليكن عدوّك » ، فاستعذت
--> ( 1 ) أي عام 763 ه . ( 2 ) هذه الكلمة إسبانية el rojo ، ومعناها الأحمر . ( 3 ) أليسّانة أو اللّسّانة : بالإسبانية lucena ، وهي إحدى مدن غرناطة ، وتسمى مدينة اليهود ؛ لأن اليهود كانوا يسكنون بجوفها ولا يداخلهم فيها مسلم البتة ، وكان لها ربض يسكنه المسلمون وبعض اليهود . راجع مملكة غرناطة ( ص 63 ) . ( 4 ) اللمتونيّون : هم المرابطون ، إذ تحرّكوا إلى غرناطة سنة 483 ه لمقاتلة أميرها عبد اللّه بن بلقين بن باديس بن حبوس الزيري . راجع مملكة غرناطة ( ص 220 - 221 ) .