لسان الدين ابن الخطيب
201
الإحاطة في أخبار غرناطة
روحاني ، وإنكار هم حشر الأجساد . وقد لوّح هو بأن ذلك مذهبه في آخر كتاب « الجواهر والأربعين » ، وخرّج بأنه معتقد كبار الصّوفية ، في كتاب آخر ، وقال : إن معتقده كمعتقدهم ، وأنه وقع على ذلك بعد بحث طويل وعناء شديد . قال : وإنما كلامه في كتبه على نحو تعليم الجمهور . وقد اعتذر أبو حامد نفسه عن ذلك في آخر كتاب « ميزان العمل » ، على أغلب ظنّي ، فإن لي من مطالعة الكتب مدّة . قال : ولو لم يكن في هذه الألفاظ إلّا ما يشكّك في اعتقادك الموروث ، يعني التّقليد ، فإنه من لم يشكّ لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر ففي العمى والحيرة . ثم تمثّل بقول الشاعر : [ البسيط ] خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وذلك أنه قسّم آراءه إلى ثلاثة : رأي يجاب به كلّ مسترشد سائل بحسب سؤاله وعلى مقدار فهمه . ورأي يجاب به الخاصّة ولا يصرّح به للعامّة . ورأي بين الإنسان وبين نفسه ، لا يطّلع عليه إلّا من شريكه في اعتقاده . وأما الفقيه الفاضل أبو الوليد بن رشد ، رحمه اللّه ، فإنّه بالغ في ذلك مبالغ عظيمة ، وذلك في كتابه الذي وصف فيه مناهج أدلّة المتكلّمين ، فإنه لما تكلّم على طرق الأشعريّة والمعتزلة والفلاسفة والصّوفية والحشويّة وما أحدثه المتكلّمون من الضّرر في الشّريعة بتواليفهم ، انعطف فقال : وأما أبو حامد ، فإنه طمّ الوادي على القرى ، ولم يلتزم طريقة في كتبه ، فنراه مع الأشعرية أشعريّا ، ومع المعتزلة معتزليّا ، ومع الفلاسفة فيلسوفا ، ومع الصّوفية صوفيّا ، حتى كأني به : [ البسيط ] يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن * وإن لقيت معدّيا فعدنان ثم قال : والذي يجب على أهل العلم ، أن ينهوا الجمهور عن كتبه ، فإن الضّرر فيها بالذات ، والمنفعة بالعرض . قال : وإنما ذلك لأنه صرّح في كتبه بنتائج الحكمة دون مقدّماتها ، وأفصح بالتّأويلات التي لا يطلع عليها إلا العلماء الرّاسخون في العلم ، وهي التي لا يجوز أن تؤوّل للجمهور ، ولا أن تذكر في غير كتب البرهان . وأنا أقول : إن كتبه في الأصلين ، أعني أصول الدين وأصول الفقه ، في غاية النّبل والنّباهة ، وبسط اللفظ ، وحسن التّرتيب والتّقسيم ، وقرب المسائل . وكذلك كتبه الفقهية والخلافية والمذهبيّة ، التي ألّفها على مذهب الشّافعي ، فإنه كان شافعيّ المذهب في الفروع . وأما كتبه التي ذهب فيها مذهب التصوّف ، فهي التي يوجد فيها ما ذكر من الضّرر بالعرض . وذلك أنه بنى الأكثر من الاعتقادات فيها على ما تأدّى إلى فهمه من مذاهب الفلاسفة ، ونسبها إلى المتصوّفة . وقد نبّه على