لسان الدين ابن الخطيب

202

الإحاطة في أخبار غرناطة

ذلك الفقيه الجليل أبو بكر الطّرطوشي « 1 » في كتابه الذي سماه ب « مراقي العارفين » . قال : وقد دخل على السّالكين ضرر عظيم من كتب هذا الرجل الطّوسي « 2 » ، فإنه تشبّه بالصّوفية ولم يلحق بمذاهبهم ، وخلط مذاهب الفلاسفة بمذاهبهم ، حتى غلط الناس فيها . على أنّني أقول : إنّ باعه في الفلسفة كان قصيرا ، وإنه حذا حذو الشيخ أبي علي بن سينا في فلسفته التي نقلها في المقاصد ، ومنطقه الذي نقله في معيار العلم ، لكن قصر عنه . وتلك الاعتقادات ، منها حقّ ومنها باطل ، وتلخيصه لا يتأتّى إلّا لصنفين من الناس ، أعني أهل البرهان وأهل المكاشفة ، فبحسب ذلك تحتاج كتبه إلى تقدمة علوم البرهان ، أو رياضة أهل المكاشفة . ولذلك صنّف هو معيار العلم ؛ ليكون الناظر في كتبه يتقدّم ، فيتعلّم منه أصناف البراهين ، فيلحق بأهل البرهان . وقدّم أيضا تصنيف « ميزان العمل » ليكون المرتاض فيه ، وبه يلحق بأهل المكاشفة ، وحينئذ ينظر في سائر كتبه . وهذه الرسالة طويلة ، تكلم فيها على كتب أبي حامد الغزالي ، رحمه اللّه ، بما يدل على تفنّنه ، وعلى اضطلاعه ، رحمه اللّه . ومن الغرباء في هذا الاسم محمد بن أحمد بن أمين بن معاذ بن إبراهيم بن جميل ابن يوسف العراقي ثم الخلاطي ، ثم الأقشري الفارسي ، وينعت من النّعوت المشرقية بجلال الدين ، من بلاد فارس . حاله : كان من الصّوفية المتجرّدين من المال والعيال ، ذا وقار وتؤدة ، وسكون ومحافظة على ظاهره . أكثر في بلاد المشرق من الأخذ عن الشّيوخ المحدّثين والمتصوّفين ، ثم قدم المغرب ، فاستوطن بعض بلاده ، ثم أجاز البحر إلى الأندلس عام أربعة وسبعمائة ، وأخذ عمّن بها من الشيوخ ، ودخل غرناطة . وكان شافعيّ المذهب ، يشارك في قرض الشّعر .

--> ( 1 ) هو الزاهد محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الطرطوشي الأندلسي ، المتوفّي سنة 520 ه ، من أشهر مؤلفاته « سراج الملوك » و « برّ الوالدين » . وفيات الأعيان ( ج 4 ص 92 ) والمغرب ( ج 2 ص 424 ) والصلة ( ص 838 ) وبغية الملتمس ( ص 135 ) وخريدة القصر - قسم شعراء المغرب ( ج 2 ص 211 ) . ( 2 ) المراد بالرجل الطوسي أبا حامد الغزالي الطوسي المتقدم ذكره قبل قليل .