لسان الدين ابن الخطيب

366

الإحاطة في أخبار غرناطة

إذا عبّ للنفس في دامس * ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح تجلّت به مشكلات الأمور * ولان له الصّعب بعد الجماح فلو لا هو « 1 » لغدت أغصان الاكتساب ذاوية ، وبيوت الأموال خاوية ، وأسرعت إليها البوسى ، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى ، فهو لا محالة تجرها الأربح ، وميزانها الأرجح . به تدرّ ألبانها ، وتثمر أفنانها ، وتستمرّ أفضالها وإحسانها ، وهو رأس مالها ، وقطب عمّالها وأعمالها . وصاحب القلم قد حوى المملكة بأسرها ، وتحكّم في طيّها ونشرها ، وهو قطب مدارها ، وجهينة أخبارها ، وسرّ اختيارها واختبارها ، ومظهر مجدها وفخارها ، يعقد الرّايات لكل وال ، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المقيل ضافية السّربال ، يطفي جمرة الحرب العوان ، ويكايد العدوّ بلا صارم ولا سنان ، يقدّ المفاصل ، ويتخلل الأباطح والمعاقل ، ويقمع الحواسد والعوذال . وفاته : توفي بمالقة يوم الثلاثاء لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة اثنتين « 2 » وسبعين وخمسمائة . وقبره مشهور بها . محمد بن قاسم بن أبي بكر القرشي المالقي من أهل مالقة ، وسكن غرناطة وتردد إليها . حاله : كان لبيبا لوذعيّا ، جامعا لخصال ؛ من خطّ بارع ، وكتابة ، ونظم ، وشطرنج ، إلى نادر حار ، وخاطر ذكي ، وجرأة . توجّه إلى العدوة ، وارتسم بها طبيبا ؛ وتولّى النظر على المارستان بفاس في ربيع الثاني من عام أربعة وخمسين وسبعمائة . شعره : أنشدني بمدينة فاس عام ستة وخمسين ، في وجهتي رسولا إلى المغرب ، قوله في رجل يقطع في الكاغد : [ المجتث ] أبا عليّ حسينا * أين الوفا منك أينا ؟ قد بيّن الدمع وجدي * وأنت تزداد بينا بلّت لحاظك قلبي * تاللّه ما قلت مينا قطّ المقصّ لهذا * سبب الصّبّ مينا بقيت تفتر حسنا * ودمت تزداد زينا

--> ( 1 ) أي : فلولاه . ( 2 ) في الأصل : « اثنين » وهو خطأ نحوي .