لسان الدين ابن الخطيب

239

الإحاطة في أخبار غرناطة

وخفت منها السآمة ، وقلت انكحي أسامة . فرضيت منها « 1 » بأبي جهم « 2 » وسوء سلكته « 3 » ، وابن أبي سفيان وصعلكته ، وكانت أسرع من أمّ خارجة للخطبة ، وأسمج من سجاح « 4 » في استنجاح تلك الخطبة . ولقد كنت أخاف من انتقال الطباع في عترتها « 5 » ، واستثقال الاجتماع من عشرتها « 6 » ، وأرى من الغبن والسّفاه ، أخذها وترك بنات الأفواه والشّفاه « 7 » ، إذ هي أيسر مؤونة ، وأكثر « 8 » معونة ، فغلطي « 9 » فيها أن كانت بمنزل تتوارى صونا عن الشمس ، ومن نسوة خفرات لا ينطقن إلّا بالهمس ، ووجدتها أطوع من البنان للكفّ ، والعنان للوكف « 10 » ، والمعنى للاسم ، والمغنى للرّسم ، والظّلّ للشخص ، والمستبدل « 11 » للنصّ . فما عرفت منها إلّا خبرا « 12 » أرضاه ، حتى حسبتها من الحافظات للغيب بما حفظ اللّه ، فعجبت لها الآن كيف زلّت نعلها ، ونشزت فنشرت ما استكتمها بعلها ، واضطربت في رأيها اضطراب المختار بن « 13 » أبي عبيد ، وضربت في الأرض تسعى عليّ بكلّ مكر وكيد ، وزعمت أنّ حرف « 14 » الجيم خدعها ، وألان « 15 » أخدعها ، وأخبرها أن سيبلّغ بخبرها الخابور « 16 » ، وأحضرها لصاحبها كما أحضر بين يدي قيصر سابور « 17 » ، فقد جاءت إفكا وزورا ، وكثرت من أمرها شزورا « 18 » ، وكانت كالقوس أرنّت وقد أصمت القنيص ، والمراودة قالت ما جَزاءُ « 19 » وهي التي قدّت

--> ( 1 ) في النفح : « مني » . ( 2 ) يشير هنا إلى قصة فاطمة بنت قيس ، أخت الضحاك ، حين خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم ، فتزوجت أسامة بن زيد ؛ لأن معاوية وصف بأنه صعلوك لا مال له ، وأبو جهم كان لا يضع عصاه عن عاتقه ، أي أنه كان يضرب النساء . ( 3 ) في النفح : « ملكته » . ( 4 ) في النفح : « وأسمح من سجاح » . وأخبار سجاح مع مسيلمة الكذاب معروفة ، وقد ضرب بها المثل في الإسماح . ( 5 ) في النفح : « عشرتها » . ( 6 ) في النفح : « عترتها » . ( 7 ) بنات الأفواه والشفاه : الحروف مثل الباء والميم وغيرهما . ( 8 ) في النفح : « وأكبر » . ( 9 ) في النفح : « فغلطني » . ( 10 ) في النفح : « للكفّ » . ( 11 ) في النفح : « والمستدلّ » . ( 12 ) في النفح : « خيرا أرضاه ، وحسبتها » . ( 13 ) كلمة « بن » ساقطة من الإحاطة . وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي ، الذي ثار عام 65 ه ، مطالبا بدم الحسين بن علي ، عليهما الصلاة والسلام . ( 14 ) في النفح : « أن الجيم » . ( 15 ) في الأصل : « والآن » والتصويب من النفح . ( 16 ) الخابور : من روافد نهر الفرات ؛ يريد أن يقول : إنه سيبلغ خبرها إلى مكان ناء . ( 17 ) هو سابور ذو الأكتاف ، يقال إنه تنكّر ودخل بلاد الروم فوقع في يدي قيصر . ( 18 ) في النفح : « منزورا » . ( 19 ) سورة يوسف 12 : الآية 25 .